Submitted by sphinx on أرب, 2007-12-26 22:43
هدية الأقدار و لقطات أرشيفية و سؤال الغد
ا كارم يحيى
بدأ الرئيس "حسنى مبارك" عام حكمه السابع والعشرين وسط شعور طاغ بغد غامض. المناسبة مرت مع عيد الفطر المبارك فلم يشعر بها المواطن العادي الذي بات يطالع في الشوراع أكثر فأكثر صور الرئيس و قرينته" السيدة /سوزان " وابنه " السيد /جمال " ، وعلى نحو غير مسبوق منذ قيام ثورة يوليو ( تموز ) 1952 التي اطاحت بملكية أسرة "محمد على" .لم تشعر مصر بالمناسبة نظرا لعطلة العيد و انشغالاته ، باستثناء مقالات متوجسة في صحف خاصة جديدة و اقتطاع القناة الأولى في التليفزيون نحو نصف الساعة لتبث برنامجا ارشيفيا عن "مبارك " و انجازاته .فضلاعن صحف قومية تصدرتها عناوين افتتاحيات في صفحاتها الأولى تستكمل مظاهر عبادة الفرد على غرار " هدية الأقدار لمصر " و " أمل جديد وعبور جديد " و "قائد السفينة يواصل الإبحار لبر الأمان " .
المشاهد الأرشيفية في البرنامج التليفزيوني بدا فيها "مبارك" ـ الذي يقترب الآن من
الثمانين عاما ـ أكثر حيوية في عامه الثالث والخمسين وهو يؤدي اليمين رئيسا للجمهورية أمام مجلس الشعب. يد قائد سلاح الطيران السابق و نائب الرئيس "أنور السادات" كانت لا تزال في ضمادة بيضاء من أثر حادث المنصة . فيما كان سلفه " السادات " قبل سبعة ايام فقط قد أغتيل برصاص إسلاميين من داخل الجيش . لكن أسبوعا واحدا كان كفيلا بتأمين إنتقال سلسل لنائب الرئيس الى مقعد الرئاسة وخلاله تولى رئيس مجلس الشعب مهام المنصب واسع الصلاحيات وفق ما ينص الدستور . ورغم مضي 27 سنة على هذه اللحظات فان" مبارك " امتنع بدأب عن شيئين: أولهما اقامة العروض العسكرية العامة وحضورها .. و الثاني الأهم والأكثر اثارة للجدل هو تعيين نائب له .
ومع تقدم السن و الشعور بان العالم حول مصر يتقدم و يطور انظمته السياسية والدستورية ، فإن لا شئ بامكانه تهدئة القلق والخوف من المجهول اذا ما رحل "مبارك" . و التعامل الفظ مع الصحف الخاصة الجديدة التي جرأت على تناول "شائعة مرض الرئيس" في نهاية أغسطس الماضي لم يمنع أكثر تلك الصحف حرصا و محافظة " المصري اليوم " من ان تنشر أمس ( الإثنين ) مقالا للباحث الاستراتيجي البارز " ضياء رشوان " أمسك باللحظة و طرح هذه المخاوف تحت عنوان " المجهول الذي ينتظره المصريون ".وقد أكد ان "هذه الحالة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث ".
وكان غير مفكر وكاتب قد دعوا في ظل الاصرار على ابقاء موقع نائب الرئيس شاغرا الى ان يعلن الحزب الحاكم كما المعارضة ومن الآن صراحة مرشح كل منهما لانتخابات الرئاسة المقبلة ، و سواء حلت في موعدها خريف عام 2011 أو طرأت مستجدات توجبها في تاريخ سابق على استكمال "مبارك" لولايته الخامسة . ولكن مع اقتراب موعد المؤتمر العام للحزب الوطني الحاكم مطلع الشهر المقبل ، يصعب على المراقب الجزم بان الحزب سيقدم على هذه الخطوة . وإن كان الأداء التنظيمي والإعلامي لنجل الرئيس " جمال مبارك " ـ خريج الجامعة الأمريكية لا المؤسسة العسكرية الوطنية ـ يرشحه لقطع المزيد من الخطوات نحو قمة الحزب والدولة .
البرنامج الأرشيفي الذي بثه التليفزيون حمل الى مشاهديه لقطات يستقبل فيها "مبارك " بالقصر الرئاسي معارضين كانوا رهن الإعتقال بقرار سلفه " السادات " فيما عرف بـ"حملة سبتمبر الأسود " . و منذ العامين يحل الشهر نفسه سبتمبر مع توقعات متزايدة بتكرار "الحملة السوداء " بيد "مبارك" هذه المرة ، وبعدما ازداد الاحتقان في علاقة سلطة الدولة مع القضاة فالصحفيين . وفي اللقطات الاشيفية ذاتها تظهر الكاتبة اليسارية "نوال السعداوي و مرشد الإخوان حينها " عمر التلمساني " وآخرون . "السعداوي " هي الآن خارج مصر تخشى العودة .و لاتزال مطاردة بدعاوى وفتاوى بعضها من المؤسسة الدينية الرسمية ضد نص أدبي ألفته بعنوان " الإله يقدم إستقالته في إجتماع القمة ".
أما "الإخوان" فانهم وبعد أن تمكنوا من شغل 20 في المائة مقاعد مجلس الشعب في انتخابات جرت قبل العامين اصبحوا مطاردين بحملات أمنية لا تهدأ و بتعديل دستورى يحظر خلط الدين بالسياسة و يلغى الاشراف القضائي . وقد تجلت أولى نتائج هذا التعديل في اكتساح الحزب الحاكم الذي يرأسه "مبارك" الربيع الماضي لمقاعد مجلس الشورى و عدم تمكن الإخوان الظفر ولو بمقعد واحد .و اليوم ( الثلاثاء) تنعقد الجلسة الحادية والعشرون للمحاكمة العسكرية لقادة ورجال أعمال الجماعة وعلى رأسهم "خيرت الشاطر" النائب الثاني لمرشدها الحالي "مهدي عاكف " . اما أول أيام العيد فقد شهد فصلا جديدا من المطاردات البوليسية . وهذه المرة لإخراج الجماعة من ساحات صلاة العيد . وأسفرت عن مصادمات واعتقال 33 مواطنا في محافظة الشرقية وحدها. و للمفارقة فان قادة وكوادر "الجماعة الاسلامية" و"الجهاد" ممن اطلقوا شرارة سنوات دامية باغتيال "السادات" يجرى الافراج عنهم حثيثا ، بعدما اعلنوا نبذ العنف ( مبادرة مراجعات 1997 ) ، أما "الإخوان" الأكثر اعتدالا فلا أحد يعرف كيف سينتهى بهم الحال و بكوادرهم وشبابهم في ظل المطاردة الاأمنية القاسية .
الرئيس "مبارك " الأكثر حيوية وتلقائية قبل 27 سنة، أطل مرة اخرى من البرنامج الأرشيفي وهو ينطق باللغة الانجليزية " إجابته الشهيرة اسمي حسني مبارك " ردا على مراسلين اجانب سألوه حينها الى من ينتسب الى "جمال عبد الناصر" أم "أنور السادات" . و الآن يصعب القول بان الرجل قد أرضى مشايعو "عبد الناصر" أو "السادات ". والبلد تداهمها دوامات سخط على الاوضاع المعيشية والغلاء و استحالة التعليم و العلاج والسكن . وحتى الطبقة الرأسمالية الجديدة التي فتح السادات الباب لها تبدو ضجرة بالأحوال و قلقة من المستقبل هي الأخرى . وفي الوقت الذي يبقى الرئيس "مبارك" علاقات متميزة مع الأمريكيين ويدفع بحرص التطبيع مع اسرائيل راعيا اتفاقات كـ "الكويز" فان كلا من واشنطن وتل ابيب لا يتورعان عن "إحراجه " بما لم يكن يجرءان عليه على هذا النحو في عهد سلفه . وعلى مدي الساعات القليلة الماضية تحرشت شرطة نيويورك بالسفير المصري لدي الامم المتحدة فيما الشرطة المصرية لا تزال ومنذ خمس سنوات تجعل من حي كامل حول السفارة الأمريكية ثكنة عسكرية لحمايتها وعلى حساب حرية انتقال المواطنين وابناء الحي . أما الاسرائيليون وقبل ان يجف مداد التوقيع على مرحلة جديدة من "الكوميز " ، فقد بادروا الى احراج القاهرة عند واشنطن بمزاعم عن تهريب السلاح الى غزة " حماس" .
اللقطات الأرشيفية التي بثها التليفزيون المصري اقتطاعا من برامج العيد أثارت لدي مشاهديها مفارقات عده . لكن يظل السؤال الأبرز :"مصر .. الى أين ؟". سؤال تزداد إجابته صعوبة وغموضا عاما تلو عام في هكذا مناسبة .
الوقت في 16 اكتوبر 2007
- 253 reads










علِّق