الرحمة على "حسن الإمام" ..
مقال منشور في " البديل " 27 أكتوبر 2007
كارم يحيى
لو أن المخرج الراحل "حسن الإمام" امتد به العمر ( توفي في عام 1988 ) لوجد في مجريات السياسة عندنا الآن ما يصلح مادة خصبة للمزيد من أفلامه الميلودرمية . و يبدو انه في السياسة كما في الفن ثمة "ميلودراما " تنسج مشاهدها مفاجآت تستند إلى مصادفة ساذجة .و هكذا تتوالى المصادفة تلو الأخرى لتتحكم في مسار الأحداث ومصير الشخصيات . و مع أيام العيد ألحت على المتابع لأحوال البلد ذكرى هذا المخرج الذي طالما هاجمه نقاد ومثقفون بوصف افلامه الميلودرامية أحد علامات تخلف السينما المصرية ، رغم انها كثيرا ما اجتذبت جمهورا باحثا عن الإثارة والصخب في دور سينما العيد . وبهذه المناسبة نكتفى بتقدم ثلاثة مشاهد من أحوالنا السياسية و العامة كانت تصلح مادة لأفلام "حسن الإمام" لو لم يرحل . لكنها تستحق بحق ان تفتح الباب لحديث عن "تاريخ ميلودرامي" .
المشهد الأول .. يحكم القاضي "عبد السلام جمعة" بالسجن على "أيمن. نور " مؤسس حزب "الغد " بعد اشهر معدودة من ترخيص لجنة الأحزاب التي يسيطر عليها الحزب الحاكم للحزب نفسه. وكما نعلم فان "نور" يقضى عقوبة السجن مدانا بتزوير تصادف أنه لم يكن به حاجة اليه بالأصل ( توكيلات مؤسسي حزبه ) . و للمصادفة ايضا فان "نور" حل تاليا للرئيس "حسني مبارك " في انتخابات المادة 76 معدل . اما من حل ثالثا "نعما جمعة " رئيس حزب " الوفد " فقد تصادف أيضا انه فقد لاحقا رئاسة حزبه وطرد منه و بات مهددا بالسجن متهما بالبلطجة . ولن نتحدث عن منافس آخر ( اي ثالث المنكوبين بالمصادفة ) مات في حادث سيارة ،وكان رئيسا لواحد من نحو عشرين حزبا يصعب تذكر اسمائها ورؤسائها هي الآخرى وان كان معترفا بها من لجنة الأحزاب. وعلى اي حال فان المصادفات لا تتوقف ، و سيصبح بامكان المخرج و المؤرخ الميلودراميين ان يقدما مفاجأة ذروة الاحداث حين يعود القاضي " عبد السلام جمعة " للظهور مرة اخرى ، وهو يصدر حكمه بعدم اختصاص القضاء الإداري بالإفراج الصحي عن " نور " .
المشهد الثاني .. البطل هذه المرة ضابط شرطة من جهاز "أمن الدولة " الرهيب لقبه مميز جدا . إنه " محمد برغش " . يطل في تحقيقات النيابة متهما بالاشراف على الإعتداء على القاضي " محمود حمزة " أمام نادي القضاة في ابريل 2006 وخلال اعتصام النادي طلبا لاستقلال القضاء و احتجاجا على استهداف القضاة دعاة الاستقلال بمحاكمة تأديبية جائرة مليئة هي الأخرى بالمصادفات غير المبهجة . والاعتداء كما نعرف غير مسبوق في تاريخ مصر وقضائها من حيث موقعه وملابساته و ضراوته و مرتكبيه. وللمصادفة أيضا فان " برغش" يعود بطلا لحدث الزج برئيس تحرير صحيفة " الدستور " الى المحاكمة متهما ببث انباء كاذبة تضر بمصالح البلاد وتهدد أمنها ، وبوصفه الشاهد الأبرز في قضية " الصحافة وصحة الرئيس مبارك " . وهكذا باتت الشخصية ذاتها خصما في استقلال القضاء و حرية الصحافة معا . وللمصادفة غير البريئة أيضا فإن "بدر. القاضي " مقاول كبير و نائب عن الحزب الحاكم في دائرة بولاق ابو العلا يمنح وزير الداخلية "حبيب العادلي " سكنه الممتاز في حي المهندسين . وللمصادفة مر ة أخرى وليست أخيرة فإن القوات التابعة للوزير " العادلي " قامت بالواجب المطلوب لتزوير انتخابات مجلس الشعب لصالح المقاول نفسه. وتبلغ القصة ذروتها بواحدة من أقوى الحبكات ميلودرامية عندما نكتشف بان القاضي " حمزة" كان في عهد الاشراف القضائي على الانتخابات الذي ولى هو نفسه الذي وقف ليتصدى للتزوير لصالح " القاضي " حين كان مشرفا على احدي اللجان الانتخابية.
المشهد الثالث .. " فتحى سرور" كان وزيرا للتعليم لخمس سنوات ( 86 الى 1990) ثم اصبح رئيسا لمجلس الشعب المنوط به رقابة الحكومة وسياساتها وتعليمها لمدة 17 سنة . لكنه بعد كل ذلك يمنح الميلودراما مذاقا فكاهيا حين يضحك الجمهور بنعته ونعيه لنظام التعليم بانه " فاشل وناقص" و حين يقول بانه دفع بابنائه وأحفاده ليتعلموا في مدارس اجنبية .
المشاهد الثلاثة الجارية الآن هي فقط على سبيل الاستدلال على ميلودراما نعيشها احداثا ومصادفات "غير بريئة" بالقطع . والتاريخ في مصر قبل يوليو 1952 وبعده عرف القاضي "الهلباوي" الذي اصدر احكام الشنق والجلد على ضحايا دنشواي بأوامر من المحتل الأجنبي . ثم ظل يحاول حتى وفاته التكفير عن جريمته ضد الشعب و الوطن ، فكان من ابرز المحاميين المتطوعين دفاعا في ساحات المحاكم عن الوطنيين المناهضين للاحتلال . كما عرف قاضيا آخر يدعى " أبوسحلي " ظل يترصد معارضي الرئيس السادات باحكام الحبس والسجن و مصادرة الصحف ، ثم عينه السادات وزيرا للعدل .
بالقطع في الماضي ، ثمة وقائع على هذا النحو أو ذاك . لكن ما يتضح الآن من مفاجآت و مصادفات تدعونا لافتراض ان مصر في هذا العهد تعيش ذروة غير مسبوقة في ميلودراما التاريخ السياسي .. وهي كما في السينما دليل على تواضع التفكير وهبوط المستوى .
ورحمة الله على "حسن الإمام" وأفلامه .










الميلودرما
نشره Tuty (لم يتم التحقق) يوم أرب, 2007-10-31 19:16.
أنت لسه ما رحتش في طوكر يا كارم يا يحي
» رد