Submitted by sphinx on ثلث, 2007-09-18 01:11
نائب يضرب عن الطعام و فلاحون يقطعون الطرق ويرفعون " الجراكن "
كارم يحيى
اقدم نائب في البرلمان المصري على الدخول في اضراب عن الطعام تضامنا مع "عطاشى الريف " ، وبخاصة ابناء دائرته ، وبعدما تفجرت ازمة المياه النقية في العديد من محافظات دلتا النيل و اطلق عليها إعلاميون " ثورة العطش ". وقد دفع شح مياه الشرب الفلاحين الى مغادرة خوفهم من السلطة ، فانطلقوا في جماعات . يقطعون الطرق الرئيسة على المصطافين القاصدين منتجعات الأثرياء والطبقة الوسطى .
النائب " محمد عبد العليم داوود " من حزب " الوفد" الليبرالي بدأ اعتصامه واضرابه داخل مجلس الشعب نهاية الإسبوع ، والبرلمان في اجازته الصيفية وبين دورتين . لكن النائب المضرب عن الطعام ود لو يلفت الانظار الى معاناة ابناء دائرته "مطوبس " في كفر الشيخ ،والتي قدمت للقاهرة والإعلام أول تحرك احتجاجي بين الفلاحين سخطا على غياب مياه الشرب النقية و تمييز المدن والمنتجعات الصيفية الترفيهية القريبة منها . و ربط النائب " داوود " بين العطش و مسلسل "البيع الكبير "لأراضي الدولة الجاري حاليا في مصر وما يحوم حوله من شبهات فساد ونمو " مافيا " تتربح من الوساطة والمتاجرة في الأراضي وعلى حساب تخصيصها لمرافق حيوية كمحطات المياه و مد انابيبها . وبدأ " داوود " في الكشف عن اسماء ووقائع تتصل بعمليات البيع والمافيا .
وكان فلاحو "كفر الشيخ" قد خرجوا مطلع الشهر و قطعوا الطريق لما يقارب اليومين على حركة المصطافين وخاضوا مواجهات مع الأمن . وسرعان ما طرحت القضية نفسها على الرأي العام لجهة التوقيت ( ذروة موسم الاصطياف ) و لجهة استراتيجية الطرق المعطلة و الواصلة الى ساحل البحر المتوسط . لكن "ثورة عطاشى" كفر الشيخ سرعان ما كشفت عن أكثر من 400 قرية مصرية خارج خريطة مياه الشرب النقية ، و في بلد تفترس بنيه امراض مزمنة مميته من ابرزها التهاب الكبد الوبائي والفشل الكلوي . و مع اتساع دائرة "ثورة العطاشى "، أضطر "الرئيس حسني مبارك" الى ان يدلي قبل اسبوع بتصريح يجدد فيه تعهدات الحكومات المصرية المتعاقبة بمد كل ربوع مصر بمياه الشرب النقية . وكان غير وزير في الحكومة الحالية قد اعترف بالأزمة و تعهد بانهائها على مستوى البلد خلال اربع سنوات .
في غضون هذا الشهر وحده ، تنقل الإحتجاج الجماعي الى مناطق ريفية عدة في محافظات الدقهلية ودمياط والغربية وغيرها من محافظات دلتا النيل ،وبعدما أعاد المصريون ـ حتى في الريف ـ اكتشاف اساليب الاحتجاج الجماعي من اعتصام واضراب و قطع طرق ، وبعدما كسرت حركة " كفاية " لحاجز الخوف من نزول الناس الشارع.
و تطور لغة الصحافة شيئا فشيئا مصطلحات و تعبيرات تليق بما يسمى بـ " ثورة العطش في بلد النيل " . و بات " الجركن " ، وهو عبوة بلاستيك كبيرة يمكن اغلاقها ، رمزا للبحث عن المياه و اختزانها ، و أيضا اداة تعبير عن الاحتجاج ضد سلطة دولة تميز بين مواطنيها في هكذا مسألة حياة او موت . وقد اتضح عجز الدولة عن توفير المياه النقية لمناطق ريفية عدة . وعلما بان سكان الريف قد انخفضت نسبتهم الى نحو نصف أهل مصر ، فيما كان يقطنه نحو 85 في المائة عند قيام ثورة يوليو ( تموز) 1952 .
"مظاهرات الجراكن الفارغة " تتوالى وتنتقل من محافظة الى اخرى في دلتا النيل الأكثر خصوبة و ارتواء بمياه النيل ، مقارنة بصعيد مصر وواديه الزراعي الضيق .و باتت "الأحداث الجراكينية "تجد طريقها يوميا الى الصحافة المصرية المعروفة بانها مركزيةقاهرية . وققالت صحيفة " المصري اليوم " أمس ( الخميس ) ان مواطنين في محافظة " بني سويف " شمالي الصعيد يعتزمون التظاهر حاملين " الجراكين والفؤوس" أمام مجلس الشعب مطلع الشهر المقبل ( أغسطس / آب ) ، كما اعدوا عريضة شكوى تحمل توقيعاتهم ، وهي وسيلة تقليدية عند الفلاحين المصريين ترفع الى السلطة بعد ابداء ديباجات الإحترام وكبديل آمن عن الإحتجاج الجماعي والصدام . و اللافت ان العريضة اطلق عليها اصحابها " وثيقة العطش " مسهمين في اثراء قاموس جديد يستلهم ابداعاته من معاناة " العطش في بلد النيل " .
نشر في " الوقت " 27 يوليو 2007
- 358 reads










علِّق