Submitted by sphinx on ثلث, 2007-09-18 01:07
55 عاما تأكل الرجال كما المبادئ
ا كارم يحيى
"خالد محيي الدين" هو آخر من تبقى على قيد الحياة من قادة ثورة يوليو ( تموز ) والذين كانوا 11 ضابطا في اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار عشية هذا اليوم من عام 1952 و وزيدوا الى 15 مع اعلان مجلس قيادة الثورة بعد نجاحها وحتى الاستفتاء على جمال عبد الناصر رئيسا لجمهورية مصر في عام 1956 . وبينما تحل الذكرى الخامسة والخمسين للثورة يرقد " محيي الدين " ( 84 عاما ) في مستشفى " القوات المسلحة " بضاحية المعادي القاهرية ينازع جلطة دماغية اصابته الاسبوع الماضي .
في ثلاث من محطات "مترو" الأنفاق التي تحمل اسماء الرؤساء (محمد نجيب وعبد الناصر و السادات ) يصعب ان تجد شابا بامكانه ان يعدد إسمين اثنين في قيادة الثورة ( تضم الى جانب الرؤساء كلا من : زكريا وخالد محيي الدين و جمال وصلاح سالم و عبد الحكيم عامر و عبد اللطيف بغدادي وكمال الدين حسين وحسين الشافعي و يوسف صديق وحسن إبراهيم و عبد المنعم عبد الرؤوف وعبد المنعم أمين " . بل لا يدرك معظم من ولدوا بعد يوليو 52 ان تسمية المحطة التي يرتادها تعود الى عضو في الضباط الأحرار او مجلس قيادة الثورة . وعند المبنى الذي يحمل العنوان الأخير والمطل على النيل بالجزيرة بقلب القاهرة يتساءل باندهاش الشباب القاصدون النادي "الأهلى" القريب منه عندما تسألهم ولسان حالهم : أي ثورة ..وأي قيادة ؟.
فقد اعتاد المصريون حجبا إعلاميا مضروبا على قادة الثورة الذين يحكم الرؤساء بفضلهم وبشرعية ما قاموا به في 23 يوليو 1952 . و بمضي السنين اشتدت درجات الحجب بفعل التعمد ..والنسيان أيضا . و استن التلفزيون المصري اقوى وسيلة اعلام جماهيري ولايزال تقليدا راسخا بالا يذيع شيئا عن القادة التاريخين الخمسة عشر للثورة وبهذه الصفة إلا عند رحيل احدهم .وكان حسين الشافعي آخر الراحلين الأربعة عشر في عام 2005 .وحينها بث التيلفزيون صورا مقتضبة من جنازته ، بينما كانت قناة فضائية كـ"الجزيرة" تعيد اذاعة برنامجا حواريا "ماراثونيا" معه .
بالأصل ولد قادة الثورة بين عامي 1914 و 1922. وعندما قاد هؤلاء الضباط الحدث التاريخي كانوا في العقد الثالث من العمر . أكبرهم " عبد المنعم عبد الرؤوف " وراءه 38 عاما و أصغرهم "خالد محي الدين " البالغ بالكاد 30 عاما ، وذلك باستثناء " محمد نجيب " المولود في عام 1901 . والمعروف ان الضباط الأحرار اتخذو من "نجيب" واجهة وقائدا فور نجاح "الثورة" ، وحتى يتقدموا الى مواطنيهم برجل "كبير السن والمقام ".و قد ظل الرجل الخمسيني على رأس مجلس قيادة الثورة و رئيسا للبلاد حتى عام 1954 حين ازاحه تماما "عبد الناصر" و جيله .
و اللافت ان دفعة واحدة دخلت الكلية الحربية فور معاهدة 1936 مع الإنجليز وتخرجت مبكرا بعد عامين هي التي شكلت قوام قيادة تنظيم الضباط الأحرار فمجلس الثورة ( 9 من اصل 11 فـ 15 عضوا ). وهذه الدفعة تضم كلا من : عبد الناصر وعبد الحكيم عامر والسادات والشافعي و زكريا محيي الدين وعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين والأخوين صلاح وجمال سالم. و المعروف أن المعاهدة التي سمحت لمصر بزيادة عدد جيشها جلبت الى صفوف الضباط قاعدة أوسع من الشرائح المتوسطة والدنيا للطبقة الوسطى .وكما يؤكد أبرزمؤرخي الثورة الضابط " أحمد حمروش " في كتابه " قصة الثورة " :" لم يكن من بين الضباط الأحرار أيا من أبناء الأسر الإقطاعية او كبار الرأسماليين أو من حصل والده او جده على الباشوية او الباكوية ". وبالفعل تفيد مراجعة سجلات القادة الخمسة عشر بأن الأغلبية يقينا من ابناء الموظفين البسطاء كـ"عبد الناصر" أو فلاحين محدودي ومتوسطي الملكية . وعلى عكس ما تعيشه مصر الآن سواء في شيخوخة المواقع القيادية او توارث المهن و الوظائف المميزة فان أيا من قادة الثورة لم يكن والده ضابطا بالجيش او حتى الشرطة ،وباستثناء "نجيب" الذي خدم والده في السودان وكان مغضوبا عليه .
والمعروف أن هزيمة حرب فلسطين 1948 شكلت الخبرة القتالية والوجودية الأبرز لغالبية قادة الثورة . و مراجعة سجلات القادة الخمسة عشر تفيد بان تسعة منهم على الأقل قاتلوا داخل فلسطين وعادوا منسحبين وفي ا لحلق مرارة ارتجال التخطيط و القرار السياسي وفساد الأسلحة.ومن المفارقات ان "السادات" الذي وقع أول معاهدة عربية مع اسرائيل كان من بين قلة غابت عن الحرب ولم تحمل جوانحها مرارة هزيمة وانسحاب 1948 .
ولأن الثورات تأكل رجالها و قادتها ايضا ، فإن تاريخ قيادة الثورة المصرية المنسجة جيليا و طبقيا ومؤسسيا الى حد كبير لا يخلو من صراعات مريرة . وجاءت نتائجها استقالات عديدة وتهميشا أو اعتزالا للعمل السياسي ، فضلا عن الإقامة الجبرية كما مع " نجيب " و" كمال الدين حسين" و الإبعاد للخارج كما "يوسف صديق" و" خالد محيي الدين " ،وحتى الفرار من حكم بالإعدام للضابط الإخواني " عبد المنعم عبد الرؤؤف" . والأخير ما إن عاد بعد عشرين عاما إلا واصابه الشلل النصفي لسبع سنوات حتى رحل في 1985 .
أول من توفى من قادة الثورة كان " صلاح سالم " وفي عام 1962 ، وآخرهم "الشافعي" قبل نحو ثلاثة اعوام . وتوفى وحيدا منسيا في عام 1975 أول المستقيلين من قيادة الثورة الضابط الشيوعي "يوسف صديق" ( عام 1953 ) ،و الذي يسجل له التاريخ شجاعته في السيطرة على قيادة الجيش ليلة 23 يوليو 1952 واحتجاز قادة الاسلحة . ويستحق رحيل "نجيب " وحيدا منسيا شبه معدم هو الآخر بعد إقامة جبرية خارج القاهرة دامت نحو العشرين عاما عملا دراميا يثير الأسى .لكن أكثر النهايات مأساوية وغموضا لحقت بـ"عبد الحكيم عامر" أقرب المقربين لعبد الناصر ،و بعدما عاش أيامه الأخيرة في الإقامة الجبرية فور هزيمة يونيو ( حزيران ) 1967 و انتحر أو نحر في 14 سبتمبر من العام ذاته . وحصد "السادات" نهاية مأساوية هو الآخر حين اغتيل في عام 1981 أمام عدسات المصورين و وسط الجيش الذي قام رجاله قبل نحو ثلاثين عاما بالثورة . ورحل في عام 1968 بعد معانا ة السرطان الضابط منفلت الأعصاب "صلاح سالم " ،وهو الوحيد بين قادة الثورة من غير الرؤساء الذي اختصته السلطات بواحد من أهم شوارع القاهرة ليخلد اسمه. ومع انه كان قد دعا زملاءه للاستسلام للعدوان الثلاثي عام 1956 و تسليم انفسهم للسفارة البريطانية .
وحده يبقى على قيد الحياة الضابط اليساري وزعيم حزب التجمع لاحقا "خالد محيي الدين " أمد الله في عمره ومتعه بالصحة .وهو أصغر قادة الثورة ، واشتهر بانه قال "لا" صريحة لانقضاض "العسكر " على الديموقراطية في عام باسم الثورة 1954.لكنه اليوم يصارع جلطة دماغية فيما التساؤل عمن تبقى من قادة الثورة لا يبدو مطروحا بقوة السؤال السنوي عما صمد من مبادئها .
.. وهكذا تأكل الثورات قادتها وتنساهم كما المبادئ .
تشرت في "الوقت " 23 يوليو 2007
- 406 reads










علِّق