مدير تحريرها لـ" الوقت " : "لا نغازل شباك التذاكر ولا نشخصن المشاكل"
كارم يحيى
صدرت في القاهرة أمس " الإثنين" (16 يوليو 2007) أول صحيفة يومية لليسار المصري وتحمل عنوان " البديل " ، وبعدما عرف اليساريون المصريون صحفا ومجلات اسبوعية وشهرية شتى تعود بواكيرها الى عشرينيات القرن الماضي . والجريدة الوليدة التي تنضم الى اسبوعية " الأهالي " الناطقة باسم حزب "التجمع " الصادرة منذ عام 1978 تنتمى الى موجة من الصحف الخاصة المستقلة يتوالى صدورها في مصر الآن ،وقد برز من بينها " المصري اليوم " الليبرالية التوجه.
لكن صدور صحيفة يومية لليسار في مصر في حد ذاته حدث لافت يحمل اسئلة تنتظر الإجابة . فاسبوعية "الأهالي" انخفض توزيعها على نحو درامي من نحو 150 ألف نسخة في عقد الثمانينيات الى مايقدر بأقل من عشرة آلاف.و اليسار المصري بمختلف ألوانه فشل في ان يحصد في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة مايزيد على خمسة مقاعد من أصل 444 مقعدا ،وهي تتجاوز بالكاد خمسة في المائة مما حصده " الإخوان المسلمون".
صحف اليسار الأولى " الشبيبة " عام 1922 و " الحساب" عام 1925 كانت تجاهر بالانحياز للعمال والفلاحين وحلفائهم الطلاب ، مع ان بعضها اتجه لبذر مذاهب فنية وفلسفية حديثة في تربة الثقافية المصرية . وظل الانحياز العمالي الفلاحي لاحقا في إطلالة أكثر صحف اليسار شعبية كـ" الجماهير "1946 و" الملايين " 1951 . و لكن " البديل" ،ويرأس تحريرها الدكتور "محمد السيد سعيد " نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بمؤسسة " الأهرام " ، اختارت ان تومئ في اطلالتها الأولى الى ان " الشعب هو البديل " .وبهذا العنوان جاءت افتتاحيتها خالية من إشارة تخص قوى اجتماعية بعينها .ومع ذلك فقد حددت انحيازها الى "مشروع بناء الدولة المدينة الديموقراطية أو دولة الحرية و العدل " ، و وضعت على رأس أولويات اهدافها " مناهضة اقامة دولة دينية او استبدادية". وتعكس الافتتاحية أولوية الديموقراطية بنكهة "ليبرالية" وبأفق التنوير العقلاني و المساواة التي تتخطى البعد الإجتماعي الى الدين والجنس ،و بلسان لا يخلو من رطانة حقوقية عالمية . وقال لـ "الوقت " مدير تحريرها" علاء العطار " :"ننحاز للمشروع الوطني ونسعى للتعبير عن صيغة ما لليسار الديموقراطي في مواجهة طبقة التكنوقراط و اليسار الأيديولوجي المتحجر و التيارات الدينية الظلامية" .
"الليبرالية" لم تعد عند اليسار كله "رجس من عمل الشيطان " .لكن تعبير " اليسار الديموقراطي " يبدو جديدا على المصريين بعكس حال اللبنانيين . وإن كانت مطبوعات غير دورية محدودة التوزيع كـ " البوصلة" قد استحدثت المصطلح منذ نحو العامين.وقد استندت الى ميراث عقدين او يزيد من انشغال يساريين مصريين بالعمل لتعزيز المجتمع المدني و انشاء منظمات حقوقية أثار بعضها جدلا وفي صفوف اليسار ذاته حول التمويل والأجندة . واللافت ان فرق اليسار المصري وشيعه على تعددها و تشرذمها و قلة اعداد المنتسبين لها تحاول عبثا منذ ما يزيد على العام الإئتلاف في "تحالف" او "اتحاد" ما . و تخوض يوما تلو يوم وشهرا تلو آخر جولات من الحوار بعضه في ندوات ومعظمه على شبكة "الإنترنت" .
في عددها الأول تطل " البديل " الى جانب يومية " الدستور " و اسبوعيتي " الكرامة "و العربي" هادئة رصينة . وباستثناء مقال منزو في اسفل صفحة داخلية ، تجنبت الصحيفة الجديدة الدخول الى سوق الصياح الرائجة ضد الرئيس "مبارك" و نجله "جمال" . ويقول "العطار :" خطابنا بعيد عن السباب والتجريح ولا نشخصن الصراعات او نختزل كل مشاكل البلد في مبارك والتوريث." وأضاف :"لسنا ايديولوجيين.. و بالقطع نحن معارضة.. نختلف مع السياسات لا الاشخاص ..ونبحث عن الجذور الاقتصادية والمجتمعية والسياسية ".و تساءل :" هل بالامكان اختزال مشاكل البلد كلها في شخص أو مجموعة اشخاص إذا اختفى او اختفوا انصلح الحال؟".
ومع ان الجريدة الوليدة تخيرت شعارا شعبيا راقصا في ايقاعه :" الشورى شورتك والرأي رأيك .. وإنت البديل " ، فان عناوين الأخبار وغيرها تعيد الرصانة بل والمحافظة الى الصحف المصرية الجديدة . و قد يصعب الى حينه الحكم تماما على اللغة ، لكن مدير التحرير يشير الى طموح في "فصحى بسيطة " . وعلى عكس انفجار "العامية المصرية " على صفحات الصحف الخاصة الجديدة و تسللها مع مفردات شبابية ( قاموس الروشنة) الى صحف قومية اشتهرت بالمحافظة ، يوضح "العطار" :" قد نلجأ الى العامية في اضيق نطاق ولضرورات مهنية ليس إلا .. لكننا سنقاوم الموجة الجديدة التي تحاول مغازلة شباك التذاكر بالسوقية والابتزال".
ومن ابرز العقبات التي تواجهها صحيفة يومية جديدة كـ " البديل" ضمان التمويل والاستمرار . و قد جاء العدد الأول شبه خال من الإعلان كما حال " المصري اليوم " الليبرالية التي سبقت في الصدور منذ اكثر من ثلاث سنوات . ويقول "العطار" :"" البديل لا تمولها الدولة او رجل أعمال بعينه .وهي بالأصل شركة تضم 66 مساهما دفعوا نحو الأربعة ملايين جنيها مصريا عند التأسيس" .وعلما بان مبلغا هذه حدوده سرعان مايستنزف سريعا مع غياب الإعلانات .
ويضاف الى هذا التحدي أن اليسار المصري الذي اشتهر تاريخا بأنه أمد الوطن واثرى حياته الثقافية والصحفية باعلام وكوادر متميزة ، أصبح يعاني من شح الموارد البشرية وضعف الكفاءات . ويؤكد "العطار" :" جاءنا كثيرون يرغبون العمل لكننا بالفعل نعانى من قلة الكوادر المؤهلة " . و لعل ما زاد من شح الكوادر الصحفية بين أهل اليسار المصري ، والذي ضربته موجة الجذر و انحسار الشعبية كما اليسار العالمي ، ان ماتبقى من كوادر صحفية وسيطة كان قد انخرط في سوق الصحافة الليبرالية منذ ما يزيد على العقد .و بمافي ذلك جريدة " العالم اليوم" الإقتصادية سعودية الهوى و التي تعنى باخبار رجال الأعمال و البورصة.
للكاتب الراحل " محمد سيد أحمد " فكرة اخاذة كتبها بعد عقود من انخراطه في اقوى وابرز حلقات اليسار المصري وأكثرها ثراءا ( عقد الأربعنيات من القرن الماضي ) . ومفادها ان اليسار في هذه الحلقة كان مشدودا في حركته اساسا الى نقطة جذب (معادية للفاشية ) وبتأثير مناضلين يهود إعتنقوا الشيوعية . و تاليا اصبحت نقطة الجذب بحلول الستينات هي التيار القومي وتحديدا عبد الناصر.وفي الحالتين كان اليسار متفاعلا مع قوى اكثر ثقلا فيما خف وزنه بفعل ضعف جذوره المجتمعية بين من يتحدث باسمهم ويدافع عن مصالحهم. وكانت دولة " عبد الناصر " وبعدما صادرت المنابر المستقلة لليسار ، قد عادت ومنحته اخرى ومن داخل المؤسسة الرسمية ،و من بينها جريدة " المساء" عام 1956 برئاسة عضو مجلس قيادة الثورة الضابط " خالد محيي الدين " و مجلات ثقافية كـ"الكاتب" و"الطليعة" . و ربما لا ينمحى من ذاكرة أهل اليسار القول الشهير الكاشف الذي نطق به "عبد الناصر" في حواره مع اسرة تحرير "الطليعة " ورئيس تحريرها المرحوم " لطفي الخولي " . فقد ألمح الرئيس المصري حينها بذكاء ودهاء الى حدود الحركة المسموح بها لليسار في بلد كمصر . فذكر محاوريه من كبار المثقفين اليساريين بـ " سان بيتر " ودوره التبشيري ( بالثورة الفرنسية ) ليس إلا .
و هذا الحوار جرى قبل نحو أربعين عاما في مبنى مؤسسة "الأهرام" الذي كانت تصدر منه " الطليعة " .وهي نفسها المؤسسة التي ينتسب لها رئيس تحرير "البديل". أما "المساء " فسرعان ما أقصت سلطة الدولة اليسارعن قيادتها و "الطليعة" صودرت وتوقفت عام 1977 بعد انتظام في الصدور استمر 12 عاما . وعلى كل الأحوال فان منابر اليسار التي صدرت عن مؤسسات الدولة كـ"المساء" و"الطليعة" ظلت يقينا الأطول عمرا من المنابر التي اطلقها يساريون خارج مؤسسات الدولة . و الآن ينظر يساريون بأمل الى اول جريدة يومية خاصة تنتسب لهم حتى لو باعدت بينهم الخلافات الشخصية والاختلافات الفكرية والتنظيمية . ولسان حالهم يقول : " لعلها الأطول عمرا والأكثر فعالية".. وبصرف النظر عمن يفتش في خطاب " البديل " عن "نقطة جذب" جديدة يتوجس ازاءها.
نشر في الوقت 16 يوليو 2007









