كارم يحيى
للصحافة أيضا وليس للقضاء وحده خبرة طويلة ومريرة في مسألة مد سن التقاعد. وخبرة الصحفيين مع مد السن لاتخلو من عبره لم شاء ان يعتبر . و ملخص هذه الخبرة انه في عام 1980 أي قبيل إغتيال الرئيس السادات بعام واحد وهو عام يعلم معاصروه كم كان مأزوما ، ابتدع له ترزية الدساتير والقوانين شعار" الصحافة سلطة رابعة " .واصبح له نص في التعديل الدستوري . وتلاه في العام نفسه اصدار قانون سلطة الصحافة ، فأجاز مد سن التقاعد للعاملين في المؤسسات القومية كالأهرام والأخبار وغيرهما من 60 الى 65 سنة فسنة بتوصية من مجلس الادارة وقرار من المجلس الأعلي للصحافة ( المادة 28) . و هكذا.. إنفتح الباب امام تمييز لا يزال يعاني منه الصحفيون المقبلون على سن المعاش ،بعدما كشفت ممارسة مجالس الإدارات و المجلس الأعلى للصحافة عن هوى سياسي وشخصي في مد السن. لكن قانون 1980 لم يكن ليجرؤ على المزيد ،فاستثنى المناصب القيادية في الصحف من مد السن .و هكذا اكد على سقف الستين عاما لشغل رئاسة مجلسي الادارة و التحرير و المواقع ادارية الأخرى في المؤسسة والصحيفة .
ومع زحف التكلس السياسي والقيادي بعد دورتين رئاسيتين لمبارك ، إنقض " ترزية القوانين " في منتصف التسعينيات و بليل على المادة 28 ، وعقدوا "جلسة مسروقة " لتمرير تعديل يحذف استثناء المناصب القيادية من مد سن التقاعد .وقيل وقتها ان تعديل هذه المادة اليتيمة لحساب شخص واحد يمسك بقيادة أكبر مؤسسة صحفية في البلد ومعها نقابة الصحفيين .و لم تمض أشهر معدودة من هذا العام( 1995) حتى نشبت معركة تشديد عقوبات الحبس في قضايا النشر .و في ضجيج المعركة التي خاضها الصحفيون لنحو عام كامل استقر الاستثناء اواصبح قاعدة مع القانون الجديد ( 96 لسنة 1996 ) ، وقد جرى ترويجه بوصفه انتصارا لحرية الصحافة ودراء لعدوان القانون 93 لسنة 1995.و وجد الصحفيون أنفسهم ـ و على طريقة "نشل المارة في معارك الشوارع " ـ في قبضة المادة 61 ، والتي قننت نهائيا مد السن الى الخامسة والستين لقياداتهم و بقرار من مجلس الشورى. ولأنه لا قاع للتدهور فقد انقلب الحال مع الممارسة ، فاصبح الاستثناء هو مد لعموم الصحفيين و القاعدة باتت من نصيب القيادات الصحفية . بل ظلت غالبية القيادات الصحفية على "الكراسي " الى مابعد الخامسة والستين ، و من دون حاجة لتعديل قانون .و وصل الأمر في لحظة تغيير هذه القيادات صيف عام 2004 أن قيادة مؤسسة واحدة من بين تسع مؤسسات قومية هي التي تنسجم مع نص المادة 61 من قانون عام 1996. فيما تجاوز الجميع 65 عاما ، و غالبيتهم بنحو سبع سنوات كاملة .
كل من عمل في الصحافة يعرف المبدأ القائل بان الكتابة في الصحف والعمل بالمهنة لاصلة لهما بسن كان ولا بقانون يحدد التقاعد. تماما مثلما يدرك من يعمل بالصحافة جناية الايدي العجوز التي ظلت لسنوات وسنوات تقبض المواقع القيادية على المهنة وعلى اجيال و أجيال لا تزال تدفع الثمن . وهو المبدأ ذاته الذي يدفع به نادي القضاة وأعلامه الأجلاء مخاطر قانون مد سن التقاعد للقاضي الى 68 سنة ، فيدعون للتمييز بين مد السن لقاض جالس على المنصة وآخر يشغل موقعا اداريا قياديا قد تتداخل اموره مع سلطة من سلطات الدولة وتؤثر على علاقة القضاة بالشأن العام وبالحيدة بين خصوم السياسة والحكم .
و كل من عايش لعبة تمديد سن التقاعد للصحفيين سيضحك ساخرا عندما يطالع ما يقال اليوم في تبرير لعبة التمديد للقضاة بوصفهم "ثروة قومية نادرة ".ولأنه حتما سيتذكر عبارات مشابهة قيلت عن " الكفاءات والمواهب الابداعية النادرة التي لاتعوض " ، فأورثت صحاتنا المصرية خسائر وفضائح وتخلفا مشهودا إذا ما قورنت بصحافة الدول العربية بل والافريقية .
الصحف القومية بفلسفه قيامها ووجودها "مملوكة للشعب كله" و بنص القانون ومنطوقه لا بواقع الحال والممارسة هي " مستقلة عن السلطة التنفيذية وجميع الأحزاب " ، و كما أكدت المادة( 55 من القانون 96) . و من تابع احوالها لن يدهش عندما يعلم بان الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس على الصفحات الاولي لهذه الصحف وبذل آيات التمجيد الملكية والامبراطورية والمملوكية لمبارك لم يظهر على هذا النحو إلا في منتصف التسعينيات .. اي مع لعبة مد خدمة القيادات الصحفية .فهل هي مجرد مصادفة ؟
ومرة اخرى وليست أخيرة فان من يري محاولات شق صفوف القضاة والانقضاض على ناديهم و النتائج استفتاء رفض فيه اكثر من 80 في المائة من اعضائه مد سن التقاعد سوف يتذكر حتما أن هذه الألعاب لم تمر في الصحافة من دون تأمين سيطرة اصحاب المصالح الخاصة على نقابة الصحفيين. فأعتدت هذه القيادات على ارادة الجمعية العمومية للنقابة وقررات مؤتمرات الصحفيين ضد مد السن في المواقع القيادية . كما أطاحت بأمل غالبية الصحفيين في في تخليص مد السن من تحكم الاهواء السياسية والشخصية .و لم تكن صدفة ان مقعد نقيب الصحفيين ظل يتناوب عليه لنحو ربع القرن رؤساء مجالس ادارات الصحف القومية من اصحاب المصلحة الخاصة في مد السن . وهذه القيادات كانت تعرف ويعرف معها الجميع بان استمرارها في المناصب الادراية العليامعلق برضا السلطة الحاكمة ورجال الحزب الحاكم واجهزة الأمن .لذا استبدلت مخاطبة قراء الصحف بقارئ واحد واسرته واتباعه ، وامعنت في بذل النفاق الملكي والامبراطوري والمملوكي واورثته صحفنا القومية حتى عيد الميلاد التاسع والسبعين لـ "رئيس الجمهورية" ! .
ما يجرى مع القضاة جرى مع الصحفيين وربما مع غيرهم .. لكن المصيبة أكبر عندما تصل اللعبة الى محراب العدالة .. وأنتبهوا لما يستهدف نادي القضاة .
مقال منشور بصحيفة " الغد" في 10 مايو 2007





yes
نشره portable toddler potty (لم يتم التحقق) يوم سبت, 2007-12-08 23:18.
This sounds like fun....love the articles
» رد