Submitted by sphinx on أرب, 2007-05-09 20:19
حوار مع صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب :
لاأصدق دولا عربية تقول انها الغت الحبس في قضايا النشر
الأمريكان دعاة الحرية يحرضون على المصادرة
كارم يحيى
الاستاذ "صلاح الدين حافظ" الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب كاتب سياسي مرموق يطل من جريدة "الأهرام" أسبوعيا ، لكنه يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية . وقد كرس سنوات من حياته للكتابة عن هموم" صاحبة الجلالة" فاصدر كتبا بينها " أحزان حرية الصحافة " ، كما رأس تحرير الفصلية المتخصصة " دراسات إعلامية " لاكثر من 23 عاما تابع خلالها عن كثب حال الصحافة العربية وقبل ان تتوقف المجلة مطلع العام الحالي . و قبل هذا وذاك ، يحمل "حافظ" خبرة تقارب الثلاثين عاما من العمل النقابي مصريا وعربيا .و لانشغاله الدائم بحال الصحافة العربية و بوصفه أمينا عاما لاتحاد الصحفيين العرب جاء هذا الحوار ، مستهدفا تشخيص اللحظة الراهنة و استشراف المستقبل بعيون رجل ينتمى الى جيل قال هو نفسه عنه:
" قام بدوره قدر استطاعته .. أصاب وأخطأ ..وآن له ان يسلم الراية " .
* ماهي الدول والمساحات التي ترونها مرشحة لقيادة تطور الصحافة العربية في هذه المرحلة ؟
ـ بداية لا حديث عن حرية الصحافة من دون الحريات العامة .و هناك دول اسميتها منذ زمن " دول الهامش الديموقراطي " كمصر والمغرب والأردن والكويت واليمن و قبلها لبنان .وهي بالأصل تشهد ارهاصات حراك ديموقراطي نسبيا مقارنة بالدول العربية الأخرى التي يسودها ثبات عميق يبلغ حد " الموت " . وبحكم ارتباط حرية الصحافة بهذا الحراك العام فإن مصر والمغرب و الكويت واليمن تشهد الآن حراكا صحفيا موازيا . في مصر على سبيل المثال انتعشت انواع جديدة من الصحف خلال السنوات الأخيرة بضغوط شعبية ومن المجتمع المدني ، فضلا عن الضغوط الأجنبية .و لم يعد في مصر وحسب صحفا قومية ـ حكومية بالأدق ـ كما كان عليه الحال منذ بداية الستينيات. وكسرت الصحف الجديدة "المستقلة " ـ وهي بالأصل مشروعات خاصة ـ حاجز المحرمات في السياسة وتحدت الصحف القائمة بقدر كبير من الحرفية والمهنية . اذن نحن إزاء مناخ عام جديد يسمح بقدر من الحراك السياسي والصحفي ولو كان محدودا .. ومحدودا جدا. أما المغرب فقد سبق بتوليفته السياسية المميزة مثيلاته من دول "الهامش الديموقراطي " . ونظامه الملكي لم يكن محافظا بالقدر التقليدي السائد في عالمنا العربي ، لذا منح الأحزاب حرية حركة . ومن هنا نشأ اعلام حزبي وخاص الى جانب الإعلام الحكومي .والى جانب المغرب ومصر هناك الكويت و لاحقا نمت تجارب مهمة في الأردن واليمن والبحرين . و إجمالا ارى دول ما اسميته في السابق "دول الهامش الديموقراطي " كلها تريد الحرية وتخشاها و تخاف مخاطرها . ولعل مأزق الصحافة العربية في هذه اللحظة يكمن في التناقض .
وأما لبنان الذي كان قد قدم تاريخيا للصحافة العربية مدرسة منافسة لمصر فقد تعرض لضربات موجعة من التدخلات العربية و الأجنبية الى الحرب الأهلية الطويلة و نهاية ترسيخ دولة الطائفة بدلا من الدولة الوطنية . وكل هذا يجهض المضمون الحقيقي لحرية الصحافة و حرية التعبير .و المشكلة اللبنانية الآن تتجلى في غياب صحافة قومية لها نكهة ديموقراطية . فيما تتصدر صحف ومحطات تليفزيون واذاعة تتبع الطوائف والدول الراعية لها .
فكرة تراود كافة النظم العربية
* كيف ترى مصير صحافة الدولة في العالم العربي في ظل نشأة صحافة خاصة مستقلة تطرح تحديا عليها كما قلتم ؟
ـ سيطرة الدولة على الصحافة والإعلام فكرة لا تزال تراود جميع النظم العربية من المحيط الى الخليج سواء أكانت ملكية اوجمهورية .. محافظة او ثورية . لا غرابة ان تتشابه الصحافة في السعودية وسوريا في هذا التوجه . و في مصر مثلا يدور الحديث عن عبء المؤسسات القومية على ميزانية الدولة وسوء ادراة صحف هذه المؤسسات وتدهور مستواها.ولكن في النهاية لا يوجد نظام حاكم في عالمنا العربي يمكنه التفريط في شيئين : انظمة الأمن وفي الصحافة والإعلام . و ربما فوجئنا في لحظة ما مع " موجة الخصخصة " وبيع الدولة لكل شئ بصيغة تضرب عصفورين بحجر واحد : تخلص الدولة من الاعباء المالية للصحف القومية و تضمن استمرار ولائها . و ما يجرى الآن في رأيي هو التفكير في هذا الإتجاه . .
* المستقبل يبدو محاصرا بين سلطة الدولة وبين رأس مال ورجال اعمال يعتمدون الاحتكار ثقافة ولا يقلعون عن الارتباط بالسلطة السياسية ذاتها..أين الحل ؟
ـ الحل لن يأتي اليوم اوغدا .. نقطة البداية ان حرية الصحافة ترتبط عضويا بحال الحريات العامة في المجتمع .وطالما يغيب النضج الديموقراطي ستظل هذه العلاقات الملتبسة بين الصحافة والدولة ، أو بين التجارة والدولة ، أو بين رجال الأعمال والحكم . و كلها علاقات ملتبسة في مرحلة ملغزة . ولكن مقابل كل هذه المعوقات أرى محفزات تمنح أملا في توسيع نطاق الحريات. ومنها من دون شك ثورة الاتصالات . فهل يمكن الآن إغلاق مجتمع على اعضائه حتى ولو كان قرية نائية ؟. ليست مصر والمغرب والأردن وحدها التي تعرف صحوة تطالب بالحرية والكرامة وتحرير المجتمع المدني من قبضة الدولة. ويوميا يصلني من السعودية على البريد الأليكتروني بيانات تتحدث عن ضرورة الحرية والاصلاح الديموقراطي و المؤسسات الدستورية ودور المرأة.و السعودية كما نعرف توصف بانها مجتمع محافظ وقبلي لكن هذه الرسائل لايمكن إلا ان تعكس حركة وحياة .وإجمالا فإن المجتمعات العربية وعلى غير ما تقول وتعمل نظمها وحكوماتها تعيش هذه الأيام حيوية تبشر بتحولات في حرية التعبير والرأي والصحافة .
* مع التحول نحو الملكية الخاصة في الإعلام والصحافة تثور توجسات حول التدخل الاجنبي و المشروع الامريكي للشرق الاوسط لا يزال ماثلا في الأذهان.. ما رأيكم ؟
ـ لا شك أن المنطقة محل اهتمام لاسباب عدة قديمة ومستجدة .و لا احد يستطيع اغلاق الابوب في وجه التأثيرات الأجنبية . وعلينا أولا بتقويم وتقوية الذات .ولنسأل انفسنا : لماذا لا نصنع صحافة تحترم عقلية القارئ ؟.و هل يمكن ان يبقى الاعلام يسبح بحمد شخص واحد ويحتقر القيمة الخبرية للحدث ثم نطالب مواطنينا ألا يبحثوا عن مصادر بديلة للمعرفة والأخبار ؟.حقيقة الناس سأمت جمود الإعلام المحلي لذا تنصرف عنه . و الأخطر انك مقبل على مرحلة " العولمة بمعناها الشامل " و قد يجد بلدا كمصر نفسه ملزما وفق اتفاقات التجارة الحرة ببيع مؤسساته الإعلامية للخارج .
الحبس متفق عليه
* كيف تقيمون التقدم الذي يقال أن دولا عربية حققته اخيرا بالغاء عقوبات الحبس في قضايا النشر ؟
ـ القضية محورية و تقاس بها الكثير من الأمور .وللاسف الشديد حبس الصحفيين عقوبة متفق عليها في جميع القوانين العربية . ولا اصدق ان دولة عربية واحدة الغت هذه العقوبات . وما حدث في مصر والأردن اخيرا ليس إلا الغاء العقوبة في قوانين الصحافة والمطبوعات بينما ظلت في قوانين اخرى كالعقوبات . قبل أربع سنوات مع الحديث عن الاصلاح السياسي كنا نتفاءل بمستقبل حرية الصحافة في دول ما يسمي بـ"الهامش الديموقراطي" .و للاسف لم يتحقق تقدم ملموس وعادت النظم والحكومات تتحايل على النصوص القانونية .. تحاول ان تبدو امام العالم انهاتطلق حرية الرأي والتعبير لكنها في الحقيقة تقيدها .
* و هل هذا بسبب تراجع الضغوط الأمريكية كما يقال ؟
ـ الادارة الامريكية التي تضغط مطالبة بالاصلاح السياسي هي ذاتها التي تمارس ضغوطا وبنفس القوة لمصادرة حرية الصحافة . لم يأت وفد امريكي من الإدارة او الكونجرس إلا و احتج على الصحافة المصرية بدعوى انها معادية لامريكا وللسامية . وفي احدى المرات تقدم وفد من الكونجرس الى الرئيس مبارك بملف يضم اكثر من مائة رسم كاريكاتيري و 23 اسما لكتاب وصحفيين متهمين بمعادة امريكا والسامية وطلب تدخل الدولة لمصادرة حرية الصحافة والتعبير . و رد الرئيس :" هذه حرية صحافة " .أي ان دعاة حرية الصحافة يحرضون على المصادرة .
* إذن انتم تتحدثون في المجمل عن تقدم في الصحافة العربية يعرقله تحفظ الحكومات ذاتها ؟
ـ اكثر من تحفظ .. إنه الرفض لفكرة اطلاق الحريات لانها في معناها البسيط تقود الى تداول السلطة الذي لاتقبله الحكومات العربية .
النقابات والإتحاد ..
* كيف تقيمون الحالة النقابية بين الصحفيين العرب في مواجهة هكذا أوضاع ؟
ـ النقابات عندنا بالأصل مصابة بداء التبعية للحكومات . و لاأكاد أجد اربع أوخمس نقابات أو منظمات او جمعيات عربية تتمتع بالاستقلال أو شبه استقلاليه. وما اعرفه ان عددا كبيرا من النقابات و المنظمات العربية الصحفية كما نقابات عمال الطرق مرتبطة بالسلطة الحاكمة لدرجة كبيرة . و لذا لم يكن مستغربا ان تتحدث هذ ه نقابات صحفية عن حال الحريات في بلادها كأنها في "سويسرا".للأسف لا يوجد عمل نقابي له جذور وطنية كبيرة إلا في دول عربية محدودة .والنقابات التي نشأت تحت ضغوط الاصلاح في السنوات الاربع الماضية تبدو لي كجمعيات شكلية ليس إلا .
* هل التعددية النقابية هي الحل .. مع العلم بان اتحاد الصحفيين العرب ضد هذه التعددية ؟
ـ يمكنها ان تكون حلا أو تتحول الى كارثة بفضل الاختراقات التي تشجعها منظمات دولية كما نلحظ في غير دولة عربية اخيرا . والبعض يرى هذا "التفكيك" تحت شعار التعددية نوعا من حرية العمل النقابي ، لكنه في الواقع يشتت هذا العمل . بل انني اتوقع خلال عامين في بلد كمصر ان تجرى محاولات في هذا الإتجاه رغم ان الدولة هنا لاتزال قوية .و أنا حقيقة أخشى على نقابة الصحفيين . فالمدفعية تقذفها من كل اتجاه ومن داخلها كما "النيران الصديقة ". واقول هناك فارق بين الحزب السياسي وبين النقابة المهنية .و أتمنى أن تخرج نقابة الصحفيين من مجال الاختراقات الايديولوجية والسياسية ولاتتعرض لمصير مشابه لنقابات مهنية كالأطباء و المحامين تجمد نشاطها لسنوات ..
.
* أيهما افضل التعددية ام نقابة واحدة تابعة للحكومة ؟
ـ الإثنان اسوأ من بعضهما ..و ليكن درونا اصلاح الوضع النقابي وتقويته وطنيا .
* هل انتم راضون عن اداء الإتحاد في قضايا الحريات ؟
ـ لا .. بالقطع . وكنت اتمنى ان يحقق الكثير من الإنجازات في مجالات مختلفة ومنها حرية الصحافة . والعديد من الزملاء اعتبروني ولازالوا متطرفا في آرائي. وحقيقة قضية الحريات في اتحاد الصحفيين العرب ان لم تكن الوحيدة فيجب ان تكون الوحيدة. و لاأخفي سرا انني قدمت استقالتي مؤخرا مرتين ورفضت. انا فلاح ولااعرف النوم إلا اذا كنت مستريحا . و لي ملاحظات كثيرة على العمل وابديها باصرار يصل الى العناد .
* الاستقالة مجددا امر وارد ؟
ـ أكيد ..أكيد. عندما تتحمل المسئولية وتصبر كثيرا تجد نفسك عند مرحلة معينة غير قادر على الإحتمال .. فتتركها . كنت انتوي الاستقالة منذ عامين اتساقا مع دعوة الاتحاد لتداول المواقع القيادية . لكنني تراجعت مع الأزمة التي وقعت مع النقابة المصرية خلال مؤتمر 2004 واستجابة للشعار الذي رفعه نقيب الصحفيين الكويتيين " احمد البهبهاني :" حتى لاينهار الإتحاد" . وبعدها تقدمت باستقالتي مرتين لكنها رفضت . و حقيقة ..انني شخصيا لم استطع ان أحقق ما كنت اتمناه .
* وهل تفكرون في العودة الى النقابة في مصر خصوصا انكم شغلتم منذ نحو ثلاثين عاما موقع سكرتير عام الصحفيين ؟
ـ لا .. رأيي بوضوح شديد انه يجب تسليم الراية للأجيال التالية .. دورنا انتهي سواء نجحنا او فشلنا وهذا ينطبق على اتحاد الصحفيين العرب او النقابة المصرية . و لعلني اكشف هنا انني تقدمت اخيرا بمقترح من عشر نقاط لاصلاح النظام الاساسي للاتحاد ،و ابرز ما فيه ألا يبقى الرئيس او الامين العام او نواب الرئيس لأكثر من دورتين متتاليتين .ولدينا اجتماع الامانة العامة في منتصف هذا الشهر اتمنى ان يوافق على المقترح ويدفع به الى المكتب الدائم في اكتوبر القادم ، حتى يصدق عليه المؤتمر العام السنة المقبلة .
*و هل تؤدي هذه الخطوة الى تفعيل الإتحاد ؟
ـ طالما هناك علاقة حاكمة بين العمل النقابي والسلطة سيظل الخلل قائما في هذا العمل .. والمشكلة تظل في هذه العلاقة .
حوار منشور بجريدة "الوقت " في 8 مايو 2007
- 536 reads










علِّق