Submitted by sphinx on خمي, 2007-03-22 08:13
مقال منشور بجريدة ا"الأهرام " في يوليو 2006 "
كارم يحيى
يحمل صيف 2006 الى العالم العربي رياحا تهب من أقصي حدوده الشرقية والغربية : الكويت بانتخاباتها البرلمانية وموريتانيا بتعديلات دستورها. و هذه المرة فإن العرب مطالبون بالنظر والتدبر في تحولات سياسية جارية بعيدا عن" القلب " و" المركز" ، والمعروف تاريخيا بـ" دول المشرق العربي" . و قد ظلت هذه الدول تقدم النموذج والمثال لمحيطها العربي في التطور المجتمعي والسياسي ، وبمشكلاته وعثراته.
و لاشك ان هناك الكثير مما قيل علي مدى سنوات و تحديدا علي مدي الأشهر القليلة الماضية عن أزمة الديموقراطية وبناء الدولة الحديثة، كما تتجلى في قلب العالم العربي ومركزه . وليس أدل علي عمق الأزمة ان يضطر المراقب الي وصف انتخابات تجري في بلدين محتلين ( العراق وفلسطين ) بأنها الأكثر نزاهة والأقرب الي التعددية وتداول السلطة. فضلا عما إنطوت عليه "الانتخابات تحت الإحتلال" من تغييب قسري لنسبة كبيرة من الناخبين ، بل للغالبية كما في حال أبناء الشعب الفلسطيني خارج الضفة والقطاع . ولهذه الملابسات تحديدا تكتسب تعديلات الدستور الموريتاني وانتخاب مجلس الأمة الكويتي أهمية مضاعفة، وإن بدا الحدثان الكويتي والموريتاني ـ ولكل منهما تناقضاته الداخلية ـ كريح قادمة الي القلب والمركز من دول محدودة السكان حديثة التاريخ نسبيا ، تقع هناك في الاطراف وعلي الحدود .
في الكويت وهي أحد ثمان ملكيات وراثية عربية ، أجريت إنتخابات عززت حصة المعارضة في مجلس الأمة ( 33 بدلا من 29 ومن اجمالي 50 نائبا منتخبا) ،وعلي الرغم من حل المجلس السابق بقرار من أمير البلاد وإثر خلاف مع الحكومة حول النظام الانتخابي وملفات الفساد. ولذا تطمح المعارضة المنتصرة الي دور متزايد يلعبه البرلمان في الاصلاح الديموقراطي ومحاربة الفساد و ترشيد الثروة النفطية .خصوصا ان الآونة الأخيرة شهدت اقترابا غير مسبوق في تاريخ الكويت ومقارنة بدول الخليج الخمس الأخري إزاء إنتقاد الاسرة الحاكمة و كيفية استثمار النفط والحفاظ علي احتياطياته و العقود الممنوحة للشركات الاجنبية.لكن هذا الطموح يصطدم بقيود دستورية سياسية . و بمقتضي الدستور الكويتي ، فإن الاحزاب محظورة ، و فوز المعارضة لا يعني بأي حال تقلدها الحكومة ، وسيف حل البرلمان بمرسوم أميري قائم وقد تكرر ثلاث مرات خلال 44 عاما هي تاريخ البلد .وفي المحصلة فاننا ازاء نموذج لا تقود فيه نزاهة الانتخابات بالضرورة الي تداول السلطة .
في التجربة الكويتية مثال آخر علي الحقوق غير المنتجة في عالمنا العربي . فالمرأة التي تصوت وتترشح في انتخابات برلمانية للمرة الاولي في تاريخ هذا البلد ( الثانية بين المرأة الخليجية بعد البحرين 2002 ) تشكل 57 في المائة من جملة الناخبين ، لكنها لم تتمكن من الالتحاق بمجلس الامة ولو بمقعد واحد .كما جسدت ظواهر الاستخدام المكثف للقنوات الفضائية و المواقع الاليكترونية المتخصصة و "المدونين" علي شبكة الانترنت و استعارة " اللون البرتقالي " رمزا للمعارضة جملة مفارقات تفيد إقتحام تأثيرات ما بعد الحداثة لمجتمعات لم تستكمل بالأصل متطلبات الحداثة بعد.
الحدث الموريتاني ، يمثل بدوره تطورا لافتا في تاريخ الجمهوريات العربية و نخبها العسكرية . فالتعديلات التي أقرها الاستفتاء علي الدستور تقضي النزول بمدة رئاسة الدولة الي خمسة أعوام بدلا من ستة ، و لا تسمح باعادة الانتخاب إلا لمرة واحدة ، وتشترط الا يشغل الرئيس أي موقع قيادي حزبي ،و علاوة علي اقرار حق البرلمان اقالة الحكومة. كما حصن الاستفتاء المواد التي تحكم وضع رئيس البلاد من تعديلات لاحقة علي الدستور تنتكس بهذه الخطوات الديموقراطية. وفي كل ذلك ما يرسى مبدأ تداول السلطة و استقلال رئاسة الدولة عن الاحزاب . و بهذه التعديلات الدستورية ، تبدو موريتانيا مرشحة للتقدم علي طريق التطور الديموقراطي مقارنة بمحيطها المغاربي والعربي ، و حال وفاء الرئيس ولد فال و"المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية" بالتخلي عن السلطة و الامتناع عن الترشح في انتخابات ربيع 2007 ، الموعد المقرر لانتهاء الفترة الانتقالية التي بدأت بانقلاب اغسطس 2005. لكن النموذج المويتاني يثير إشكالية التقدم في " بيئة هشة " ، مقارنة بالدول التي يتجه لتجاوزها علي طريق التطور الديموقراطي. فالانقلابات العسكرية تعاقبت في نواكشوط علي نحو غاب عن جل الجمهوريات العربية منذ نحو ثلاثة عقود . وتبدل الانقلابيون علي حكم موريتانيا منذ استقلالها عام 1960 .
في الكويت كما في موريتانيا تخطو العملية الديموقراطية الي الأمام مصحوبة بآليات ما بعد الحداثة أحيانا . و لكنها تتقدم في ظل اشكالات ومفارقات غياب مقومات المجتمع الحداثي ذاته . وليس أدل علي ذلك من إستمرار مشكلة "البدون" المطالبين بحقوق المواطنة في الكويت ، و عجز التعديلات الدستورية في موريتانيا عن حل قضية " الزنوج و المهاجرين الي السنغال" . و قد ظل " البدون " و " الزنوج" خارج عمليتي الانتخاب والاستفتاء هنا وهناك. وكلاهما يشكل نسبة لايستهان بها من السكان في الكويت وموريتانيا.
التقدم علي طريق الديموقراطية وقد هبت رياحه من اطراف العالم العربي تطور ينطوي علي إيجابيات ،وإن يظل غير ناجز و يجري في بيئات أكثر هشاشة . و علي الاقل لم تقطع دول الأطراف الأشواط التي قطعتها دول المشرق العربي العتيدة بقواها الاجتماعية و هياكلها المؤسسية على طريق الدولة والحداثة ، وخلف هذا المشرق تاريخ من الفكر والفعل السياسيين من أجل المواطنة والحريات يتجاوز القرن من الزمان .وبلا شك فإن تخلف قلب العالم العربي ومركزه في سباق التطور الديموقراطي الجاري الآن عند أطرافه يعزز اختلال موازين النظام العربي ومكوناته . كما يعني أيضا إهدار فرص قيام نموذج جاذب ومؤثر اقليميا لدولة القانون و المواطنة و تداول السلطة . وفي كل ذلك ما يزيد تناقضات تعظمها مفاعيل العولمة داخل النظام الاقليمي العربي ، وعلي نحو يعيد ترتيب عناصر هذا النظام لتكريس الخلل في موازين القوى وللمباعدة بين إمكانات الدول وبين ادوارها. وعندما تصبح فرص الانتخابات النزيهة أو تداول السلطة وكأنها ليست واردة إلا في ظل الاحتلال الأجنبي أو في أطراف الخريطة العربية بعيدا عن بؤرة الصراع مع اسرائيل فان ثمة اشياء كثيرة وخطيرة تستحق المراجعة .
- 418 reads










علِّق