كان أحمد عبد الرحمن والد حسن البنا مؤسس جماعة " الإخوان المسلمين " شيخا تعلم الدين على أيدي الأزهريين في جامع إبراهيم باشا الكبير بالأسكندرية ،و إحترف إصلاح الساعات "السويسرية" في مدينته الصغيرة " المحمودية " غربي دلتا النيل فلقب بـ"الساعاتي ". و لكن هذا الشيخ ذا الأصل الفلاحي الريفي حيث كان والده مزراعا من صغار الملاك أنجب معلم المدارس الإبتدائية خريج " دار العلوم " الذي أطلق من الإسماعيلية على ضفاف قناة السويس في عام 1928 كبرى حركات الإسلام السياسي التي شقت طاعة " الأزهر " لأولى الأمر من ملوك ورؤساء .و لطالما وجدت الجماعة نفسها غير مرة على الجانب الآخر من مواقف الأزهر كمؤسسة دينية رسمية، وعلى مدى تاريخ يعد في عمر الجماعات السياسية مديدا و بعدما قارب الثمانين عاما .
وبرابطة الدم فإن لحسن البنا الذي حلت مئوية ميلاده هذا الشهر ثلاثة أقارب منشغلون بقضايا الإسلام و العصر. و هم : الشقيق الأصغر جمال البنا .. و الإبن أحمد سيف الإسلام .. و الحفيد طارق سعيد رمضان نجل إبنته .
جمال البنا مفكر مجدد بالفعل يصدم مجتمعه بآرائه الحداثية الجريئة . و آخرها رأي يحل التدخين في رمضان شهر الصيام .و قبلها آخر يجيز إمامة المرأة للرجال في الصلاة. و في بلد باتت نساؤه في شوراع المدن محجبات إلا فيما ندر يتمسك الرجل الذي ناهزعمره الثمانين بأن الحجاب ليس فريضة أو من الإسلام أو الشريعة. و يحتفظ في منزله بقلب القاهرة بصورة معلقة على جدرانه للمرحومة شقيقته ( السيدة فوزية ) سافرة حاسرة الرأس . ويكتب في تقديم كتابه المعنون بـ " الحجاب" معتذرا لـ " الملايين المجهولة من الخديجات و الفاطمات و الزينبات والعائشات " فيقول :" أرادهن الإسلام شقيقات للرجال أولياء بعضهم لبعض يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر . وجعلهن الفقهاء عورات سجينات البيوت مكسورات الجناح محرومات من الحرية والمعرفة والعمل . فعشن مقهورات و متن وفي النفس غصة".
و علاقة "جمال" بشقيقه الأكبر "حسن" تبدو بالغة التركيب رغم أن الباحث البارز حسام تمام لخص الرجل في عنوان دراسة مهمة له : " لن أعيش في جلباب أخي" ، مشيرا الى مشروعين كبيرين أستغرقا الأخ الأصغر . أولهما النقابية العمالية .. و الثاني فقه جديد يعيد تعريف الإجتهاد وصفه تمام بأنه أقرب الى "الاسلام العلماني " ، يحارب السلفية ويصمها بـ " التخلف". لكن جمال البنا قال لـ " الوقت " : ": كان بيني وبين حسن البنا خلافات وملاحظات .. ولم أكن من الاخوان المسلمين في يوم من الايام. وكنت اقول له هذه الملاحظات فيسمعها ويبتسم . والآن فقط يمكنني ان افهم مالذي كان يدور في خلد اخي . بالنسبة اليه انا رجل حر أقول ما اريد .. وهو قائد لخمسمائة الف شخص يجب ان يلحظ العديد من الاعتبارات .. وكلها قيود علي انطلاقته. لذا كان يعمل بسياسة المراحل.. لكنني علي ثقة من أنه لو عاش عشرين عاما أخرى لوصل الي ما وصلت اليه ".
في المحصلة ينظرشقيق البنا الى أخيه الأكبر بوصفه مجددا إصلاحيا هو الآخر، وإن لم تمكنه قيود التنظيم و جماهيريته من التطور بالقدر الكاف . ويضيف :" كان سابقوه جمال الأفغاني و محمد عبده ورشيد رضا بالاساس رجال فكر و تنظير .. اما حسن البنا فكان رجل عمل وتنظيم ، وانطلاقا من انه "تربوي ". لكن المشكلة ان قائد الجماهير لم يكن بامكانه ان يكون سيدا لها .. فهو يلحظ الاعتبارات الواقعية لجمهوره ... وبمعنى أن الجماهير تكبح زعيمها وتلزمه حدا لا يمكنه تجاوزه.. وببساطة لأن مستواها لا يقبل غير ذلك" .
وعلاقة جمال البنا مع " الإخوان " يصفها لنا بنفسه بأنها " جدلية " . هم يتعمدون تجاهله و لا يقرأون كتبه . وكما يقول :" هناك صد من جانبهم ..مع أنني في كل ما اكتب أضع في خاطري الاخوان .. وأحاول ان استدرك ما ينقصهم ..لكن للأسف" .ويضيف :" الإخوان كتنظيم قوي جدا وأول مبادئه الطاعة و الالتزام التام.. لا يوجد احد حتى من الإخوان صغار السن من يستطيع ان يخرج و يتحاور او ينفتح علي ما أقول ".
وعلى خلاف الشقيق ، فإن الإبن " أحمد سيف الإسلام " ( 62 عاما ) أخواني ملتزم يعيش على " السمع والطاعة". توفى والده وهو في مرحلة التعليم الثانوي ، و عندما تذكره أخيرا أمام صحفيين "إخوان" قال :" أبلغني أن دخولي السينما أمر لايليق بمسلم .. فلم أحاول حتى اليوم " . و يصف خريج كليتي الحقوق ودار العلوم معا و الأمين العام السابق لنقابة المحامين علاقته بالجماعة قائلا :" أنا والحمد لله جندي في دعوة الإخوان حتى قبل أن أولد" . وقاده إرتباطه بالجماعة وتنظيمها الى السجن مرارا و المثول امام القضاء العسكري . كما أوصله أيضا الي عضوية البرلمان في عام 1987 ، وهو ما أخفق فيه والده قبلها بنحو أربعين عاما .
أما الحفيد طارق فإنه كمن يقف في منتصف الطريق بين الشقيق و الإبن ، وإن يظل له تميزه الي حد الإلتباس . وبالنسبة لمجلة أمريكية كـ " تايم " التي إختارته من بين أهم مائة شخصية في العالم مع مطلع القرن الحادي والعشرين فإنه "مفكر وسطي إصلاحي" . لكن السلطات الأمريكية لاحقا و قبل شهرين فقط منعت دخوله أراضى الولايات المتحدة للتدريس في كلية كاثوليكية. و الأشد إرباكا أن توني بلير رئيس الوزراء البريطاني والحليف الأبرز للرئيس الأمريكي جورج بوش في تنفيذ "صراع الحضارات " و"الحرب على الإرهاب " عاد و عينه مستشارا له لمكافحة الإرهاب.
ولد الحفيد طارق سعيد رمضان ( 42 عاما ) الإبن الأصغر لكبرى بنات و أولاد حسن البنا في سويسرا ، و تعلم بها حتى الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية والأدب الفرنسي . وبالنسبة لجماعة الأخوان المسلمين في مصر فحفيد المؤسس شخص هامشي . و من غير المألوف أن يذكر في خطابهم .و الأرجح أن غالبية كوادر وأنصار الجماعة في موطن جده لم يسمعوا عنه .
و بالأصل فإن علاقة الرجل بالقاهرة جد محدودة . حضر اليها بأحاسيس المنفي بعدما لاحقت سلطة يوليو ( تموز) أباه ، وبعدما غادر وأسرته الصغيرة الوطن وأستقر بها في سويسرا ، وتولي منها مسئولية نشاط "الإخوان" في أوروبا و الخارج . وبالنسبة لطارق رمضان المنفي قبل أن يولد فقد زار مصر للمرة الأولى عام 1978 . و عاد في عام 1992 ، وأمضى نحو العام في الدراسات الإسلامية وكان في الثلاثين من عمره . وللمفارقة فإن الأثر الأبرز عنه في القاهرة لم يكن " إخوانيا " أو " إسلاميا " . وكان ناشر يساري ماركسي ( دار العالم الثالث ) هو الذي ترجم وطبع الكتاب الوحيد الذي يحمل إسمه الى قراء العربية في مصر " حورا حول الإسلام " . وهو بالأصل عن نص حوار باللغة الفرنسية بين حفيد حسن البنا وبين اليساري المصري المولد "آلان جريش" رئيس تحرير " لموند دبلوماتيك " .و على كل حال ، فإن مجال الحفيد وطموحه لا يجاوز نشأته الأوربية . وسرعان ما أستطاع تقدم الصفوف بوصفه مثالا ومنظرا لـ "الإسلام الأوروبي " في هذه اللحظة بالغة الإضطراب في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي .ولعل كتابه الأشهر هو " أن تكون مسلما أوروبيا " .
وفي حواره مع "جريش " ترتسم ملامح الجد ناصعة أسطورية . وبنص كلماته يقول : "عشت كل طفولتي تلازمني صورة جدي الإمام الشهيد حسن البنا .. عظموا من شأنه في عيني بوصفه رجلا خارقا وفوق العادة ".وإن إختلطت الصورة فيما بعد بملامح مكتسبة خاصة بالحفيد وحده وبفضل خبراته الأوروبية وخياراته الفكرية والحياتية هناك . ولذا فهو يتحدث بلهجة لا يعرفها خاله سيف الإسلام عن " حسن البنا المتضامن مع مقاومة العالم الثالث" و "الملتزم إجتماعيا بعمله بين الطبقات العاملة والفلاحين" .و لكن طارق رمضان يؤكد أنه وجد في سيرة جده منذ حكيت له في منزل المنفى بسويسرا معنى لإنتمائه الروحي والفكري. وتتضمن قراءة الحفيد للجد " حسن البنا بوصفه إصلاحيا مجددا رفض إعتماد العنف إلا لمقاومة الإحتلال الأجنبي".
ومع ذلك ينأى حفيد مؤسس "الإخوان المسلمين " بنفسه عن جماعة الإخوان قائلا :" لست عضوا ولا صلة تنظيمية لي بها .. بل طورت موقفا نقديا تجاه من يقدمون أنفسهم كتلاميذ و حراس لفكر حسن البنا ". كما يؤكد :" إنني علي خلاف مع الأسلوب الذي تدار به هياكلهم ويمارسون به نشاطهم " .ويفسر ذلك بقوله :" أضع جدي في سياق عصره و مجتمعه ..وهناك أفكار التزم بها ..وأخرى لا .. وثالثة أحاول تكييفها مع واقعي وعصري وبيئتي .. وفي كل الأحوال أنني أميز بين الأهداف والوسائل".ويذهب الى القول بأن :" كل تقليد أعمى خيانة "، مشددا " التزم بالاستقلالية .. وأجتهد من أجل صياغة نظرية تقوم علي التنوع و تجمع بين الإخوان والمتصوفة و العقلانيين وحتي السلفيين التقليديين بما في ذلك جماعة التبليغ".
وفي أكثر من موضع بكتاب " حوار حول الإسلام" يؤكد حفيد حسن البنا تميزه عن الإخوان . يتحدث عن ممارسته نضالا من أجل العدالة مع أناس غير مسلمين من ديانات أخرى ومع لا أدريين و ملحدين ، مما جر عليه إتهامات بـ "التغريب" لم يحمه منها كما قال سوى " الأصل العائلي". كما يتبني حل قيام دولة واحدة للعرب واليهود في فلسطين ..و بالطبع دولة لا تقوم مواطنتها على الدين .
في مئوية حسن البنا تختلف قراءات الأخ و الإبن والحفيد ، و إن تتفق الي حد كبير حول مكانة مؤسس " الأخوان" و في إتهام الإستعمار البريطاني بالتورط في إغتياله .
ولكل شيخ طريقته رغم رابطة الدم.
كارم يحيى
20 أكتوبر 2006










مختلفون لكن غايتنا واحدة
نشره اللهم الهمنا الحق (لم يتم التحقق) يوم اثن, 2008-05-19 09:44.
الحمد لله والصلاة السلام على رسول الأمة وعلى آله وصحبه الكرام ,وبعد
الحمد لله الذي ألهم كل نفس فجورها وتقواها وجعل الحق واضحا وضوح الشمس والباطل قاتما كظلمة الليل , فالواقع الذي أتحدث عنه هو أن لكل فرد سمته كما لكل عصر سمته وقد أتى لنا الإمام حسن البنا رحمه الله بعلامات هدى موحاه من شرع الله عز وجل ومن سنة رسوله الكريم ولم يأت بفكر مبتكر يسير عليه عماة مأمورون أو محكومون بأوامر المؤسس وتعاليمه ولكنها بمثابة الزاد المعين والمرجع الأصلي للهيكل الجماعي وإن ماتسير عليه جماعة الإخوان الآن إنما يختصر , في هذا المقام , في أمرين ؛ أولهما : رؤيتها فيحتمية العمل الجماعي والتنظيمي اقتناعا بتضامن المسلمين كجماعة وكوحدة واحدة , كما كانت وستكون أمة الإسلام , وثانيهما : أخذ المبادئ الأساسية لمنهج حسن البنا ومزجها بمبادئ الإصلاح والدعوة التي توافق العصر وتسايره , وهذا التجديد إنما ينتهجه أي شخص عاقل فلا أظن أن هناك مسلما يقلد التقليد الأعمى سوى تقليدنا للإمام الأول ومعلمنا سيد المرسلين صلوات ربي وسلامه عليه .فليس من المنصف أن نقول أن أية جماعة تقلد مؤسسها دون عقل أو تمييز أو أنها لا تقتنع بغيره إنما هو في النهاية القائد الفرعي الذي تبنى التجديد والتذكرة بعد المبلغ الأول وهي جماعات تسير على خطى الصالحين محاولة إكمال ما بدأه السلف من طريق و مسلك هدفهم واحد وسمتهم واحدة وغايتهم واحدة . كما أقول إن لكل فرد حريته في اختيار المسلك المهم أن نلتقي في النهاية عند الغاية دون أن يظلم بعضنا بعضا .» رد