أحوال العرب في عيد الصحافة العالمي
Submitted by sphinx on خمي, 2007-02-08 06:37
بحلول اليوم العالمي للصحافة 3 مايو لو أن هناك "جائزة للأكثر بؤسا" لأ ستحقتها الصحافة العربية . ومن أسف ان تتوالي العام تلو العام تقارير الهيئات والمنظمات الدولية المعنية لتنعي حال المنطقة العربية ، وتصنفها في ادني مرتبة بين اقاليم العالم تمتعا حرية الصحافة ، وقد تفوقت عليها افريقيا جنوب الصحراء و شرق آسيا و امريكا اللاتينية .
و بصرف النظر عن الاختلاف حول معيار هنا او هناك تعتمده هذه المنظمة او تلك ، يكفي لادراك بؤس الحال ان منظمة بمصداقية " مراسلون بلا حدود " وضعت قائمة لدول العالم ، فجاءت أول دولة عربية بهافي الترتيب التالي بعد 84 دولة . و يكفي ايضا أن منظمة اخري ، هي " بيت الحرية " ، إنتهت في تصنيفها عن عام 2005 الي ان أيا من الدول العربية لا تستأهل مكانا بين 73 دولة تتمتع بحرية الصحافة ، و أن اثنتين فقط تندرجان بين 54 دولة توصف صحافتها بانها حرة جزئيا أونوعا ما . أما ما تبقي من الدول العربية فقد استقرت بين الدول السبع والستين الموصومة بغياب حرية الصحافة .
المنظمات الدولية غير المغرمة بإختبار المعايير وو ضع القوائم اطلقت اجراس إنذار بشأن قتل وحبس الصحفيين في العالم العربي . و التقرير الأخير لـ "اللجنة الدولية لحماية الصحفيين " ، و هو عن أحوال عام 2005 ، إعتبر العراق المكان الاكثر خطرا لعمل الصحفيين في العالم . ولاحظ التقرير ان قتلي الصحافة في عراق ما بعد الاحتلال الامريكي ( مارس 2003) فاق ضحايا المهنة في حرب فيتنام التي استمرت 20 عاما . كما حذر من مسلسل قتل الصحفيين في لبنان من الزميل سمير قصير في يونيو الي الزميل جبران تويني في ديسمبر .
الحبس في قضايا النشر و قد بات في عالمنا الآن عقوبة من مخلفات "البربرية" ينتعش في العديد من الدول العربية ، فتصدر الاحكام علي صحفيين وتستقبلهم السجون هنا وهناك .و لاشك أن في تفعيل قوانين الحبس التي ظلت نائمة لعقود دليل إضافي علي احتدام معركة الديموقراطية بين العرب . كما أن توالي الوعود الملكية والرئاسية والاميرية بمحو عار هذه العقوبات من قوانين مصر و الاردن و المغرب و اليمن والبحرين و الكويت و قطر يفيد بحرج الموقف . لكن الاخفاق و المماطلة في تنفيذ هذه الوعود يشير ايضا الي ممانعة قوي سياسية ومجتمعية تستحوذ علي السلطة و حماية لمصالح بعينها لا تزال تعلو علي حقوق المواطنين و صالح الاوطان. و الثابت ان احكام عقوبات التشهير والسب والقذف النافذة في عالمنا العربي لا تصدر الا في قضايا ذوي النفوذ ، لا "أحاد الناس" في تعبير اهل القانون أو "المواطن العادي" بلغة الاعلام ودارج السياسة. وفي ذلك استمرار لتنزيه المسئولين والشخصيات العامة عن النقد و إبعاد للشفافية عن ممارسات السياسة والمال .
و بالطبع فان القتل والحبس من الاهمية بمكان ، لكنهما ليسا سوي قمة جبل الأزمة . و المعايير المعتمدة حقوقيا ودوليا للحكم علي مستويات حرية الصحافة و مقارنة احوالها بين الدول يظل لها اعتبارها ، كسيطرة الدولة علي الملكية .. و القيود المفروضة علي اصدار الصحف ادارية كانت او أمنية .. و الرقابة بمحظوراتها و آلياتها صريحة مباشرة أو ذاتيه كامنة في الجهاز التحريري .. فضلا عن عرقلة اجهزة الأمن لعمل الصحفيين و ملاحقتهم و غياب او ضعف استقلالية و قوة تنظيماتهم النقابية . وفي المعايير السابقة ما قد يستدعي الجدل والمحاججة عند التطبيق علي هذا البلد العربي او ذاك ، و في مقارنة ما اصبح بما كان .وإن كان من المستحيل إنكار أن العرب خاسرون حتما في جولة السباق الجارية علي صعيد اقاليم العالم ودوله .
و ما لم يرد في التقارير الحقوقية والدولية لا يقل شأنا .فهل بالامكان تجاهل جملة الاختلالات التي اصبحت تشكل ملامح اعلام عربي يعيش تطورا مأزوما ، وما قد يترتب عليها من عواقب ممتدة المفعول . علي الصعيد الثقافي هناك الفضائيات التي تخاطب جمهورا لا يزال أغلبه أميا في معظم الدول العربية ، وبينما يبقي هامش الحرية و مستوي التطور المهني والتقني في الصحافة المطبوعة دون مستوي التقدم الجاري في السماوات المفتوحة و تظل انساق القيم السياسية والثقافية متخلفة عن عصر الحداثة لا عصر ما بعد الحداثة الذي تنتسب اليه ثورة الاتصالات بالفضائيات و بالانترنت . وعلي صعيد الوحدات السياسية تتجه الصحافة العربية لا الفضائيات وحدها الي تعميق الإختلال في توزيع مراكز الثقل عددا و تأثيرا . فالدول العربية التي تتسم بكثافة سكانية وبميراث تعليمي و مؤسسي سياسي ونفوذ أصبحت و كأنها علي هامش الحضور والثقل . و اللافت مثل هذا النمو المطرد للصحف عددا و تأثيرا في دول الخليج وحتي في خارج العالم العربي ( لندن علي نحو خاص ) ، و بالمقارنة النمو البطئ و المتعثر نسبيا لدول كمصر . أما داخل الدولة الواحدة و المجتمع الواحد فان اختلالا آخر يطل في حصص المركز الجغرافي ( عاصمة ومدنا .. حضرا وريفا ) و بالنسبة للقوي الاجتماعية والسياسية اذ يبقي العديد منها محروما او محاصرا ، و مغيبا ومهمشا من خريطة اهتمامات صحف الدولة التي تتمتع بوضع شبه احتكاري ، و كذا مفتقدا للحق والقدرة في اصدار صحفه ، بل
و مضيقا علي هذه الصحف ان صدرت وبوصف ان ما تمارسه من حرية فعل تجاوز و استثناء . وطالما يلوح في الافق شبح القمع والمنع فيعيش الصحفيون والقراء هاجس أنها المرة الاخيرة التي تصدر فيها هذه الصحيفة او ينشر فيها لهذا الكاتب .
النظر في تقارير الهيئات الدولية مع يوم الصحافة العالمي يلفت الانتباه الي المسافة بين أحوال العالم و رؤيته لنا وبين ما نعتقده فيما تحقق لصحافتنا العربية من تقدم وحرية . أما التطور الناجز في مسيرة هذه الصحافة فيرتبط قطعا بمستقبل الصراع حول الديموقراطية بين العرب . و بالضرورة فان للصحافة شأن فيه . الامر الذي يجسد مفارقة و معضلة لا تقل أهمية عن ظاهرتي القتل في ظل "الاحتلال الاجنبي" و الحبس في ظل "السلطات الوطنية" التي تعد بالاصلاح .
كارم يحيي
الأهرام 3 مايو 2006
و بصرف النظر عن الاختلاف حول معيار هنا او هناك تعتمده هذه المنظمة او تلك ، يكفي لادراك بؤس الحال ان منظمة بمصداقية " مراسلون بلا حدود " وضعت قائمة لدول العالم ، فجاءت أول دولة عربية بهافي الترتيب التالي بعد 84 دولة . و يكفي ايضا أن منظمة اخري ، هي " بيت الحرية " ، إنتهت في تصنيفها عن عام 2005 الي ان أيا من الدول العربية لا تستأهل مكانا بين 73 دولة تتمتع بحرية الصحافة ، و أن اثنتين فقط تندرجان بين 54 دولة توصف صحافتها بانها حرة جزئيا أونوعا ما . أما ما تبقي من الدول العربية فقد استقرت بين الدول السبع والستين الموصومة بغياب حرية الصحافة .
المنظمات الدولية غير المغرمة بإختبار المعايير وو ضع القوائم اطلقت اجراس إنذار بشأن قتل وحبس الصحفيين في العالم العربي . و التقرير الأخير لـ "اللجنة الدولية لحماية الصحفيين " ، و هو عن أحوال عام 2005 ، إعتبر العراق المكان الاكثر خطرا لعمل الصحفيين في العالم . ولاحظ التقرير ان قتلي الصحافة في عراق ما بعد الاحتلال الامريكي ( مارس 2003) فاق ضحايا المهنة في حرب فيتنام التي استمرت 20 عاما . كما حذر من مسلسل قتل الصحفيين في لبنان من الزميل سمير قصير في يونيو الي الزميل جبران تويني في ديسمبر .
الحبس في قضايا النشر و قد بات في عالمنا الآن عقوبة من مخلفات "البربرية" ينتعش في العديد من الدول العربية ، فتصدر الاحكام علي صحفيين وتستقبلهم السجون هنا وهناك .و لاشك أن في تفعيل قوانين الحبس التي ظلت نائمة لعقود دليل إضافي علي احتدام معركة الديموقراطية بين العرب . كما أن توالي الوعود الملكية والرئاسية والاميرية بمحو عار هذه العقوبات من قوانين مصر و الاردن و المغرب و اليمن والبحرين و الكويت و قطر يفيد بحرج الموقف . لكن الاخفاق و المماطلة في تنفيذ هذه الوعود يشير ايضا الي ممانعة قوي سياسية ومجتمعية تستحوذ علي السلطة و حماية لمصالح بعينها لا تزال تعلو علي حقوق المواطنين و صالح الاوطان. و الثابت ان احكام عقوبات التشهير والسب والقذف النافذة في عالمنا العربي لا تصدر الا في قضايا ذوي النفوذ ، لا "أحاد الناس" في تعبير اهل القانون أو "المواطن العادي" بلغة الاعلام ودارج السياسة. وفي ذلك استمرار لتنزيه المسئولين والشخصيات العامة عن النقد و إبعاد للشفافية عن ممارسات السياسة والمال .
و بالطبع فان القتل والحبس من الاهمية بمكان ، لكنهما ليسا سوي قمة جبل الأزمة . و المعايير المعتمدة حقوقيا ودوليا للحكم علي مستويات حرية الصحافة و مقارنة احوالها بين الدول يظل لها اعتبارها ، كسيطرة الدولة علي الملكية .. و القيود المفروضة علي اصدار الصحف ادارية كانت او أمنية .. و الرقابة بمحظوراتها و آلياتها صريحة مباشرة أو ذاتيه كامنة في الجهاز التحريري .. فضلا عن عرقلة اجهزة الأمن لعمل الصحفيين و ملاحقتهم و غياب او ضعف استقلالية و قوة تنظيماتهم النقابية . وفي المعايير السابقة ما قد يستدعي الجدل والمحاججة عند التطبيق علي هذا البلد العربي او ذاك ، و في مقارنة ما اصبح بما كان .وإن كان من المستحيل إنكار أن العرب خاسرون حتما في جولة السباق الجارية علي صعيد اقاليم العالم ودوله .
و ما لم يرد في التقارير الحقوقية والدولية لا يقل شأنا .فهل بالامكان تجاهل جملة الاختلالات التي اصبحت تشكل ملامح اعلام عربي يعيش تطورا مأزوما ، وما قد يترتب عليها من عواقب ممتدة المفعول . علي الصعيد الثقافي هناك الفضائيات التي تخاطب جمهورا لا يزال أغلبه أميا في معظم الدول العربية ، وبينما يبقي هامش الحرية و مستوي التطور المهني والتقني في الصحافة المطبوعة دون مستوي التقدم الجاري في السماوات المفتوحة و تظل انساق القيم السياسية والثقافية متخلفة عن عصر الحداثة لا عصر ما بعد الحداثة الذي تنتسب اليه ثورة الاتصالات بالفضائيات و بالانترنت . وعلي صعيد الوحدات السياسية تتجه الصحافة العربية لا الفضائيات وحدها الي تعميق الإختلال في توزيع مراكز الثقل عددا و تأثيرا . فالدول العربية التي تتسم بكثافة سكانية وبميراث تعليمي و مؤسسي سياسي ونفوذ أصبحت و كأنها علي هامش الحضور والثقل . و اللافت مثل هذا النمو المطرد للصحف عددا و تأثيرا في دول الخليج وحتي في خارج العالم العربي ( لندن علي نحو خاص ) ، و بالمقارنة النمو البطئ و المتعثر نسبيا لدول كمصر . أما داخل الدولة الواحدة و المجتمع الواحد فان اختلالا آخر يطل في حصص المركز الجغرافي ( عاصمة ومدنا .. حضرا وريفا ) و بالنسبة للقوي الاجتماعية والسياسية اذ يبقي العديد منها محروما او محاصرا ، و مغيبا ومهمشا من خريطة اهتمامات صحف الدولة التي تتمتع بوضع شبه احتكاري ، و كذا مفتقدا للحق والقدرة في اصدار صحفه ، بل
و مضيقا علي هذه الصحف ان صدرت وبوصف ان ما تمارسه من حرية فعل تجاوز و استثناء . وطالما يلوح في الافق شبح القمع والمنع فيعيش الصحفيون والقراء هاجس أنها المرة الاخيرة التي تصدر فيها هذه الصحيفة او ينشر فيها لهذا الكاتب .
النظر في تقارير الهيئات الدولية مع يوم الصحافة العالمي يلفت الانتباه الي المسافة بين أحوال العالم و رؤيته لنا وبين ما نعتقده فيما تحقق لصحافتنا العربية من تقدم وحرية . أما التطور الناجز في مسيرة هذه الصحافة فيرتبط قطعا بمستقبل الصراع حول الديموقراطية بين العرب . و بالضرورة فان للصحافة شأن فيه . الامر الذي يجسد مفارقة و معضلة لا تقل أهمية عن ظاهرتي القتل في ظل "الاحتلال الاجنبي" و الحبس في ظل "السلطات الوطنية" التي تعد بالاصلاح .
كارم يحيي
الأهرام 3 مايو 2006
- 733 reads










علِّق