لأسامة الدناصوري الذي التقيته مرتين فقط
Submitted by sphinx on أرب, 2007-02-07 18:16
لعلها كانت مصادفة جمعتنا في معرض القاهرة للكتاب قبل سنوات وسنوات.كان قادما مع أصدقاء سكندريين .يومها بدا صامتا صخري الوجه بما يليق بشاعر إختار لديوانه الأول المنشور عنوان " حراشف الجهم "..و مع لقب عائلته. المرة الثانية والأخيرة ، ويقينا كانت ضربة قدر بالنسبة لي ، التقينا في مقهى بوسط البلد قبل رحيله بأقل من شهر واحد . لم يكن في هذا الليل جهما كما بدا في نهاره السابق. كان متأنقا ومتدفقا الى حد "كاريكاتيري". ومع ذلك ، كان متكلفا على نحو لم ألحظه في لقائنا الأول.و لاأعرف لماذا سألته فجأة عن الشعر والنثر .. وتحديدا الرواية .
و لعل السؤال لا يزال يحلق متخذا مع غياب المسئول ( الكاتب) أبعادا أعمق وأرحب بعد رحيله : لماذا اختار النثر آخر ما كتب ودفع للنشر ، وهو الشاعر المخلص لشعره ؟ .. لماذا اختار النثر كتابة أيامه الأخيرة واعيا بحرج اللحظات ، وهو يؤرخ باليوم والساعة كل دفقة خطها في النص.
ليلة مقهى وسط البلد لا أظنني استمعت منه الى إجابة تسكت فضولي الذي تزايد بعد وفاته ،وقد طلب هذا الفضول الصراخ فكتبت . فقط تجاذبنا حديثا نصف موصول ونصف مقطوع حول قراء الشعر وقراء الرواية الآن (دلالات أرقام و متوسطات توزيع) ، وعن إتجاه المبدعين الجدد الى النثر بدلا من النظم ،وقدرة الرواية بخاصة على الإحاطة بالتطورات المجتمعية والتعبير عن المدينة وتحولات أناسها.أو لنقل بإختصار قدري بالغ الإخلال إنه قلة حظ الشعر والشعراء ،و على نحو يفوق ما قاله عن زوجته الفاضلة نموذج الوفاء التي لا " تعلم حجمه كشاعر ". و بالنسبة لمن هو بعيد مثلي فثمة حيرة إزاء أولئك الذين ينزلون من علياء أبراج الشعر الرفيعة الدقيقة الى سهول النثر المنفسحة المترامية ، فيسكنون ملاعب الرواية ، وإن ظلت افئدتهم تحلق هناك في الأعالى مبتهلين لقدس الأقداس " القصيدة"
ثمة أكثر من دهشة أكتشفها أنا القادم من بعيد الى هذا الكاتب وهذه الكتابة عندما أقرأ " كلبي الهرم .. كلبي الحبيب " . وإذا إنتزعت نفسي من التأثر بغيابه الدرامي ومشهد الوداع الحميم للكتابة (كتابته ) ـ وهو أمر صعب بمقتضى سطوة الزمن المعاش ـ سألت : لماذا هي رواية؟ . إنها ظنون تراود قارئ يلحظ في النص مايقترب من المذكرات الذاتية المباشرة و الذكريات المستدعاة و بأسماء الشخوص و الوقائع الحياتية المقتحمة للنص.وكل ذلك مع إثبات توثيقي بخاتم تاريخ كتابة مقاطع النص (بين الساعة الواحدة والنصف يوم يوم الخميس 20/4/ 2006 الى الخميس 7/12/2006) . وفي هذا وذاك ما يميل بالنص الى نوع من الكشف المتصل أيضا عن حال الكاتب لحظة الكتابة .
ومتحررا من حساسية إزاء راحل لم يبلغ رحيله أربعينيته بعد و حضور أصدقائه خلصائه و أقاربه المكلومين أسأل سؤالا قد يبدو لمحترفي الأدب معادا وساذجا : هل هو موت الشاعر أو موت الشعر ؟..وأكرر السؤال لماذا هي رواية ؟ ..هل بقوة صرخة صراع بين موت و إرادة حياة.. صرخة رغب في أن تسمع عند جمهور أكبر حين انقرض جمهور الشعر والشعراء .
أم انها متعة المراوغة .. تماما مثلما أبصر مسألة الجنس التي تضئ عنوان الرواية " كلبي الهرم ..كلبي الحبيب " وتتخللها ( هذا المرض الذي زحف منذ الطفولة الى الجهاز البولي / التناسلي حتى الكلى .. وهذا الإعتداد بالفحولة . وبما يتخلل كل هذه الثنائية مراوغة باطنية بين مطارحة البوح عن عضو الذكورة وبين الخجل مما درج اقرانه على البحو به من مفضوح الممارسة ) . وتماما مثلما متعة المراوغة عند ناشرين أفاضل بخاصة على صفحات الصحف ، فأحتفوا بهذا الكاتب إبن هذا الجيل في لحظة رحيله .. هكذا وحسب. و أيضا لعلها المراوغة مرة أخرى في أسم "ماركة فلتر الدم" الذي كان يتوجس منه و يحاذره كما روى في الصفحات الأخيرة "كلبي الحبيب .. كلبي الهرم " ، و بينما كان يرحل مغادرنا وبيننا كل "ماركات فلاتر الدم وغسيل الكلى" كان لنا فقط أن نكتشف حينها ان "الماركة" ذاتها تحولت الى واحدة في طابور فساد بطول مجرى النيل سواء أكانت " عبوة دم " أو " فلتر غسيل " .. وهكذا وحسب.
لم نتواعد في أي من اللقائين مسبقا أو لاحقا ،وإن كان في الأخير ـ و قبل وفاته بأقل من شهر واحد ـ أمل لقاء.. لكنني أخشى على أصدقائة الادباء الخلصاء من غواية حسد مرضه وموته، لعل أحدا يهتم .. هكذا وحسب.
كارم يحيى
نص كلمة ألقيت امام جمهور لا يتجاوز
عدده اصابع اليدين الإثنين
بمعرض الكتاب في 28 يناير 2007
- 351 reads
Tags for لأسامة الدناصوري الذي التقيته مرتين فقط










علِّق