Submitted by sphinx on سبت, 2008-03-22 12:12
ظلام دامس وبرد قارس لمن يحاول الإقتراب من الجماهير
كارم يحيى
سعى مثقفون الى الاقتراب من الجماهير بالتظاهر إحتجاجا في وضح النهار على الغلاء في الحي الشعبي " السيدة زينب" ، فوجدوا انفسهم في صحراء موحشة و ظلام دامس وبرد قارس يتلمسون طريق العودة الى القاهرة وسط مخاطر جمة. وهكذا دشنت السلطات المصرية الإختطاف و القاء معارضيها خارج المدن في الصحراء منهجا يضاف الى سجلها غير الأبيض في حقوق الإنسان .
إختطاف معارضين أمس الأول ( الخميس) من ميدان "السيدة زينب" بقلب القاهرة و من أمام المسجد التاريخي والقائهم بعد ساعات في الصحراء لم يكن هو الحادث الأول من نوعه . لكنه بدا الأخطر نظرا لأن هكذا اختطاف شمل عشرات من المعارضين والمثقفين وصحفيين جاءوا يتابعون الحدث ،و يتقدمهم رمز فكري له وزنه هو الدكتور "عبد الوهاب المسيري" منسق حركة " كفاية ". وترك الخاطفون " المسيري" ( 70 عاما ) وزوجته الدكتورة " هدى حجازي"و الناشطة الدكتورة " كريمة الحفناوي " على طريق صحراوي قرب مدينة القاهرة الجديدة . لكنهم كانوا افضل حظا من مختطفين آخرين ألقى بهم رجال الأمن على طريق صحراوي غير مأهول يؤدى البحر الأحمر وسط الجبال. وكانت " كفاية " قد دعت الى وقفة تذكارية لاحياء الذكري الحادية والثلاثين للانتفاضة الشعبية في يناير ( كانون ثاني) عام 1977 و للاحتجاج على غلاء غير مسبوق يضرب البلاد و يزلزل حيوات الفقراء وابناء الطبقة الوسطى.
و لوقائع اختطاف المعارضين سوابقها في مصر . فقبل نحو أربعة أعوام تعرض الكاتب المعارض "عبد الحليم قنديل "الى الإختطاف و الضرب و تركه مختطفوه المجهولون خارج القاهرة بعدما جردوه من ملابسه ومتعلقاته. وظلت اصابع الإتهام تشير الى من استفزتهم مقالاته ضد الرئيس " حسني مبارك " ونجله "جمال مبارك" ، فأرادوا عبثا اسكاته " و في مارس ( آزار) الماضي ، اختطف رجال الأمن من قلب القاهرة و في وضح النهار اقل من عشرة مدونيين كانوا يتابعون ويشاركون في احتجاج على التعديلات الدستورية قمعته الشرطة وحاصرته على سلالم نقابة الصحفيين .لكن سرعان ما جرى اطلاق سراح المدونين المختطفين خارج القاهرة قبل حلول الليل . و في الخريف الماضي اختطف عملاء الأمن الأكاديمية والناشطة الحقوقية الدكتورة"ليلي سويف " وهي في طريقها لوقفة احتجاجية ضد التعذيب امام قسم " العمرانية " بالجيزة ،والذي يظل على قائمة اقسام الشرطة الأسوأ معاملة للمواطنين و اهدارا لكرامتهم . و ايضا جرى اخلاء سبيل الأكاديمية المختطفة خارج القاهرة . ولا تزال الواقعة حية و محل تحقيقات امام النيابة ، لكن من دون طائل ،خصوصا ان السلطات تنفى مسئوليتها عن الاختطاف .
الناشط والصحفي " ساهر جاد " روى لنا قصة اختطافه من داخل مسجد "السيدة زينب " ، وقال :" اعترضنى رجال أمن في ملابس مدنية قبل خروجي من المسجد ، و دفعوا بي الى سيارة ميكروباس تحمل ارقاما مدنية . ثم نقلوني ونحو عشرة نشطاء آخرين الى سيارة ترحيلات مساجين كبيرة . وظلت السيارة تجوب بنا انحاء القاهرة لنحو ثلاث ساعات ثم انطلقت الى خارج المدينة" . ويضيف :" حاولوا تركنا واحدا واحدا في الصحراء فرفضنا إلا ان يتركونا جماعة " . وأكد :" أبلغنا ضابط ان التعليمات تقضى بان يتركونا وسط الجبال بعيدا عن الطريق وعلى مسافة كيلومترات تفصل بين كل واحد منا " . ولفت الى ان بين المختطفين مرضى اشتدت آلامهم مع المشى و في البرد القارس.
وكان ناشطون قد تجمعوا على مدرج نقابة الصحفيين وتظاهروا طلبا لاطلاق سراح المختطفين حتى ساعة متأخرة من الليلة قبل الماضية.و تمكنوا عبر الهواتف النقالة من تحديد المواقع التي جرى ابعاد المختطفين اليها في انحاء متفرقة خارج القاهرة ، وبينها من يقع على بعد اربعين كيلوا مترا من المدينة وفي عمق الصحراء تجاه البحر الأحمر . وتعهد الناشطون المختطفون وحقوقيون بالتقدم ببلاغات الى النائب العام تتهم وزير الداخلية و رجاله باختطاف مواطنين و تعريض حياتهم للخطر .و قال لـ "الوقت " الحقوقي " جمال عيد " أن الاختطاف الجماعي امس الأول ـ وهو الأكبر والأخطر من نوعه ـ يفيد بسلوك سياسي بالغ الغباء . ويوضح قائلا :" الإختطاف جرى في ذات اليوم الذي ينظر فيه البرلمان الأوروبي قرارا يدين الحكومة المصرية لانتهاكها حقوق مواطنيها ..و وزارة لخارجية ادعت ان القرار تأسس على معلومات تجافي الحقائق بينما وزراة الداخلية كانت في الوقت ذاته تقدم بنفسها دليلا آخر على صحة القرار ". ويلفت " عيد " الى ان السلطات تنفى في كل مرة انها قامت بالإختطاف ، والى ان تحقيقات النيابة في بلاغات ضحايا الإختطاف السابقة انتهت الى لا شئ.
و اللافت ايضا ان الإختطاف الجماعي على هذا النحو جاء في اليوم التالي لزيارة الرئيس الأمريكي " جورج بوش " الى مصر . وكان من بين الناشطين المختطفين من تظاهروا بسلام ضد " بوش " وزيارته والسياسة الأمريكية قبلها بيوم واحد امام نقابتي المحامين والصحفيين .
مساء الخميس 17 يناير 2008 اراد مثقفون معارضون احياء ذكرى الانتفاضة الشعبية بالإقتراب من الجماهير في حي السيدة زينب ، فحولت قوات الأمن الميدان الى ثكنة عسكرية، و احبطت الوقفة الإحتجاجية امام المسجد قبل ان يشرع منظموها في التجمع . و باختطاف رجال أمن لاشبهة في هويتهم نحو اربعين ناشطا و مثقفا يتقدمهم " المسيري" الالقاء بهم خارج القاهرة في الصحراء تدشن السلطات في مصر بقوة آخر صيحة أمنية لوقف الإحتجاجات والاقتراب من الجماهير.
و الإختطاف لم يدم سوى ساعات وبحلول منتصف الليل كان المختطفون قد عادوا الى القاهرة ، لكنه منهج يحمل دلالته كما مخاطره.
- 53 reads










علِّق